الأحد، 4 يناير 2015

المرونة والتفاعل الصحيح سر نمو الصين / تشانج جون



يشعر العديد من الناس بالتشاؤم العميق إزاء آفاق النمو الاقتصادي في الصين، وذلك بسبب ظهور الديون الضخمة، والاستثمار المفرط، والقدرة الزائدة، وما يسمى "مدن الأشباح"، منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008. ولكن هذه المشاكل ليست جديدة. فقد أثرت، على أكثر من نحو، على الاقتصاد الصيني منذ عام 1978، وكانت واضحة في اقتصادات أخرى عالية الأداء في شرق آسيا تايوان، وكوريا الجنوبية، بل وحتى اليابان خلال فترات النمو السريع التي مرت بها.
ورغم هذا، سجلت الصين نمواً سنوياً بلغ في المتوسط 9.7% على مدى خمسة وثلاثين عاماً منذ بدأ دنج شياو بينج برنامج "الإصلاح والانفتاح". واستغرق الأمر أربعين عاماً فقط لإتمام انتقال كوريا الجنوبية وتايوان من حالة الدخل المنخفض إلى حالة الدخل المرتفع.
ولكن كيف تمكنت هذه الاقتصادات من النمو بهذه السرعة ولهذه الفترة الطويلة والتغلب على المشاكل الخطيرة التي واجهتها على طول الطريق؟ الإجابة بسيطة: المرونة.
إن التنمية الاقتصادية عملية معقدة، وذاخرة بالتحديات والمخاطر، والنجاحات والإخفاقات، والصدمات الخارجية والتقلبات الداخلية. ومن الواضح أن التأثيرات الضارة مثل ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي والقدرة الزائدة حتمية.
وإذا فشل أي بلد في الاستجابة على النحو الملائم للتحديات الجديدة كلما نشأت، فسوف يتوقف النمو الاقتصادي والتنمية لا محالة. على سبيل المثال، أصبحت عدة بلدان في أميركا اللاتينية وجنوب آسيا غارقة في ما يسمى "فخ الدخل المتوسط"، لأنها فشلت في تعديل نماذج النمو في الوقت المناسب.
وبهذا المعنى فإن اقتصادات شرق آسيا تبنت عملية "التدمير الخلّاق" التي وصفها رجل الاقتصاد النمساوي جوزيف شومبيتر، والتي تجعل البنية الاقتصادية في حالة من التغيير الجذري المستمر من الداخل. وعلاوة على ذلك، من خلال تنفيذ إصلاحات تراكمية تعمل على تسهيل بل وحتى تشجيع إحلال موارد النمو القديمة غير الفعّالة بموارد جديدة أكثر ديناميكية، نجحت هذه الاقتصادات في التعجيل بهذه العملية.
على سبيل المثال، جاء تحفيز الإصلاحات الزراعية المعززة للإنتاجية في ثمانينيات القرن العشرين جزئياً بفعل النمو في القطاع غير الزراعي، نتيجة لسياسات استهدفت تحفيز روح المبادرة التجارية في البلدات والقرى. وعلى نحو مماثل، عكفت الصين في التسعينيات على معالجة تراكم الديون الرديئة ومشاريع البناء التي لم تكتمل نتيجة للخسائر المزمنة التي تتكبدها الشركات المملوكة للدولة والإفراط في الاستثمار في العقارات، على التوالي من خلال تنفيذ إصلاحات مؤسسية عملت على تحفيز النمو في قطاعات أكثر ديناميكية، وبالتالي التعويض عن العائد المتدهور على رأس المال في الشركات المملوكة للدولة.
وبالتالي، كانت المرونة السمة المميزة للتفاعل بين الحكومة والأسواق منذ إطلاق إصلاحات دنج. ووفقاً لرجل الاقتصاد الراحل جوستاف رانيز فإن ديناميكية التفاعل بين السياسات ومؤسسات السوق كانت المفتاح إلى نجاح اقتصادات شرق آسيا. على سبيل المثال، ساعدت إزالة المركزية المالية في الصين، والتي حفزتها مطالبة المؤسسات المحلية بالمزيد من الاستقلال، في تغذية المنافسة الإقليمية والحفاظ على بيئة اقتصادية داعمة للسوق بشكل متزايد.
كما انعكست هذه الديناميكية التفاعلية في تشكيل السياسات الصناعية. ففي الصين، وبرغم ازدهار تكتلات نشطة من شركات التصنيع الأصغر حجما، لم يفعل صناع السياسات سوى القليل نسبياً لتشجيع التنمية الصناعية ورفع مستوى الصناعات. وهذا من شأنه أن يترك لمؤسسات السوق توجيه العملية على النحو الذي يضمن اضطلاعها بدور أساسي في القطاعات الصناعية المتوسعة.
وتمثل الحكومات المحلية في شرق آسيا مصدراً آخر للمرونة. فبادئ ذي بدء، تتولى الحكومات المحلية المسؤولية عن الإنفاق الرأسمالي العام، الذي يدفع عملية تحسين البنية الأساسية المادية ويدر عوائد معقولة على الاستثمارات الخاصة. وهذا من شأنه أن يعزز هدف مساعدة الشركات المحلية، وخاصة الشركات المبدعة الصغيرة والمتوسطة الحجم، على تحقيق النمو والازدهار. ولتحقيق هذه الغاية، تعمل الحكومات المحلية أيضاً على مساعدة رجال الأعمال على الوصول إلى سلاسل الإنتاج العالمية. وكانت مقاطعات مثل تشيجيانج وجوانجدونج ناجحة بشكل خاص في هذه الجهود وليس من المستغرب أن تحتل هذه المقاطعات مرتبة عالية بين الاقتصادات الإقليمية الأكثر نشاطاً في الصين.
وأخيرا، أثبتت الحكومات المحلية استعدادها لدعم الإبداع المؤسسي. وهذا يسمح بالقدر اللازم من المرونة لمعالجة التحديات البنيوية على المستوى المحلي، وبالتالي منعها من عرقلة النمو.
بعد ثلاث سنوات من النمو المتباطئ والديون المرتفعة، تجد الصين نفسها مرة أخرى عند مفترق طرق. ومن حسن الحظ أنها تختار فيما يبدو مسار المرونة والتكيف، في حين تلاحق خطة إصلاح طموحة من المؤمل أن تمكنها من الاقتراب من عتبة الدخل المرتفع وعبورها في نهاية المطاف.

تشانج جون أستاذ الاقتصاد، ومدير مركز الصين للدراسات الاقتصادية بجامعة فودان في شنغهاي.

ثمن هز الأكتاف 4.3 بليون دولار / هاورد ديفيز




في نوفمبر، أعلنت هيئة السلوك المالي في المملكة المتحدة عن تسوية تقضي بتغريم ستة بنوك ما مجموعه 4.3 بليون دولار أميركي لتلاعب هذه البنوك بسوق الصرف الأجنبي. ورغم هذا، لم تتأثر أسعار الأسهم إلا بالكاد. ولكن لماذا؟

الواقع أن الممارسات الشائنة والإخفاقات الإدارية التي كَشَف عنها تحقيق دام عاماً كاملاً والتي أدت إلى هذه الغرامات كانت صادمة ومروعة. وقد كشفت الرسائل المتبادلة على البريد الإلكتروني والمحادثات شبه الأمية في غرف الدردشة بين تجار فاسدين عن مؤامرات وقحة للتلاعب بسعر صرف ما بعد الظهيرة طلباً للربح وتحقيق مكاسب شخصية. وكان كبار المديرين مهملين إلى الحد الذي جعلهم يسمحون لموظفيهم بالتصرف وكأنهم أطفال مدللون مبتذلون يحصلون على أجور أعلى مما يستحقون. فباستخدام أسماء مستعارة مثل «الفرسان الثلاثة» و»الفريق أ»، فعلوا كل ما يحلو لهم، وبتكلفة هائلة تحملتها مؤسساتهم.ولكن، برغم الغرامة الضخمة التي فرضتها هيئة السلوك المالي، فلم يُرغَم أي مسؤول تنفيذي كبير على «الانتحار»، ولم تتجاوز ردود فعل المستثمرين هز الكتفين بلا اكتراث. ومن بين الأسباب بطبيعة الحال أن هذه التسوية كان من المعروف أنها قادمة؛ ولم تكن الأخبار الجديدة سوى تلك المتعلقة بتفاصيل الجرائم وحجم الغرامات.ولكن السبب الأكثر أهمية رغم ذلك هو أن حتى مبلغ الـ 4.3 بليون دولار ليس أكثر من دريهمات قليلة مقارنة بمجموع الغرامات وتكاليف التقاضي التي تكبدتها البنوك الكبرى على مدى السنوات الخمس الماضية. وتشير تقديرات محللي شركة مورجان ستانلي إلى أن أعلى 22 بنكاً في الولايات المتحدة وأوروبا أرغِمَت على دفع 230 بليون دولار منذ عام 2009 ــ أكثر من خمسين ضعف تكلفة تسوية هيئة السلوك المالي. وهذا علاوة على الخسائر الثقيلة التي تكبدتها البنوك بسبب الإقراض الرديء والهندسة المالية المفرطة في الطموح.
وقد تكبدت بنوك أميركية أكثر من نصف هذه العقوبات الضخمة. وكانت الفاتورة التي تحملتها البنوك الأوروبية أعلى قليلاً من 100 بليون دولار ــ ونصف هذا المبلغ تقريباً تحملته أعلى سبعة بنوك بريطانية.ولكن الأرقام لا تنبئنا بأكثر من جزء من القصة. ففي الولايات المتحدة، هيمنت على العقوبات غرامات عن مبيعات من أوراق مالية مدعومة بالرهن العقاري وتم تسويقها بشكل مضلل، وغالباً لكيانات تدعمها الحكومة مثل فاني ماي وفريدي ماك. ومن الإنصاف أن نقول إن البنوك لا تقبل بشكل كامل الحجج التي تسوقها الهيئات التنظيمية في هذا الشأن، ولكنها دفعت على مضض. (فرضت الهيئات التنظيمية الأميركية أيضاً عقوبات عالية على بنوك أجنبية بسبب انتهاكات لعقوبات أميركية مرتبطة بإيران).
ويشير تحليل مورجان ستانلي إلى أننا من الممكن أن نتوقع 70 بليون دولار أخرى من الغرامات وتكاليف تقاضي على مدى العامين المقبلين بسبب أخطاء وحالات سهو تم تحديدها بالفعل. وقد تنشأ حلقات جديدة؛ فقبل عامين لم يكن أحد ليتوقع التداعيات المترتبة على التلاعب بأسواق صرف النقد الأجنبي.
والمفارقة هنا ــ والتي لم تغب على المديرين الماليين للبنوك الكبرى ــ هي أنه بقدر سرعة البنوك في إضافة رأس المال من إصدارات الحقوق والأرباح التي تحتفظ بها لتلبية مطالب الهيئات التنظيمية الاحترازية، تستنزف هيئات تنظيم السلوك الأموال. والآن أصبح حجم العقوبات كبيراً بالقدر الكافي لإحداث تأثير كبير على ميزانيات البنوك العمومية، وتأخير استعادة صحتها، وتقييد قدرتها على الإقراض.والواقع أن بعض المال، وبخاصة في المملكة المتحدة، أعيد إلى مستهلكين أفراد. ولكن القدر الأكبر من المال ذهب إلى الهيئات التنظيمية ذاتها ثم إلى الحكومات الوطنية. وفي المملكة المتحدة، ساعدت الغرامات في تغطية تكاليف الهيئات التنظيمية: فقد خفضت العناصر السيئة الرسوم المفروضة على العناصر الطيبة، الأمر الذي خلق حلقة مرتدة إيجابية. واليوم، أصبحت المدفوعات كبيرة إلى الحد الذي حمل الحكومات على الاستيلاء عليها وتوجيه العائدات التي تزيد على تكاليف التنفيذ من قِبَل الهيئات التنظيمية إلى جمعيات قدامى المحاربين الخيرية.

خطوة أوباما " التاريخية " / نعوم تشومسكي



يُعتبر قرار استعادة العلاقات الديبلوماسيّة بين الولايات المتحدة وكوبا، والذي أُشيد به على نطاق واسع، حدثاً ذا أهميّة تاريخيّة. ويخلص في هذا الإطار مراسل مجلة «نيويوركر» الأميركية جون لي أندرسن إلى ردّ فعل عام ظهر بين المثقفين الليبراليين، عندما يقول إنّ «الرئيس الأميركي باراك أوباما أظهر أنّ في استطاعته أن يتصرّف كرجل دولة ذي ثقلٍ تاريخي، وهو ما أظهره راوول كاسترو أيضاً. وستكون هذه اللحظة بالنسبة إلى الكوبيين شافية عاطفياً، بالإضافة إلى كونها تحولاً تاريخياً. وبقيت علاقة كوبا مع جارتها الأميركية، القوية والغنية، مجمّدة منذ الستينيات، ولأكثر من نصف قرن. وقد جُمّدت مصائرهم كذلك. تعتبر المسألة ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى الأميركيين أيضاً. يُعيدنا السلام مع كوبا، للحظات، إلى ذلك الوقت الذهبّي عندما كانت الولايات المتحدة أُمّة مُحبّبة في جميع أنحاء العالم، عندما كان الشاب الوسيم جون كينيدي في منصبه – وذلك قبل فيتنام، وقبل أليندي، وحتى قبل العراق، وكل المآسي الأخرى – الأمر الذي يسمح لنا بالشعور بالفخر حيال أنفسنا للقيام أخيراً بخطوة في الاتجاه الصحيح».
لم يكن الماضي بهذه المثالية التي يُصوّر فيها، وكأنه استمرار لمملكة كاميلوت. فجون كينيدي لم يكن «قبل فييتنام» – ولا حتى قبل أليندي والعراق، ولكن لندع ذلك جانباً. عندما تسلّم كينيدي منصبه (كانون الثاني 1961)، كانت وحشية نظام ديم في فيتنام (الجنوبية) التي فرضتها الولايات المتحدة، قد أثارت، أخيراً، مقاومة داخلية لم يعد بإمكان أميركا السيطرة عليها. لذا واجه كينيدي ما أسماه «الهجوم من الداخل»، أو «العدوان الداخلي»، وهي عبارة لافته يُفضّل سفير كينيدي لدى الأمم المتحدة أدلاي ستيفنسون استخدامها.
وبناء على ذلك، صعّد كينيدي من التدخل ضدّ العدوان الصريح، آمراً سلاح الجو الأميركي بقصف فيتنام الجنوبيّة، كما أجاز استخدام النابالم، والأسلحة الكيميائية لتدمير المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، وأطلق برنامجاً لاقتياد الفلاحين إلى معسكرات الاعتقال الافتراضية بهدف «حمايتهم» من المقاتلين الذين كانوا يدعمونهم، كما تعلم واشنطن.
مع حلول العام 1963، بدا أن الحرب التي يقودها كينيدي تقترب من النجاح، بحسب التقارير الواردة آنذاك، ولكنّ مشكلة خطيرة ظهرت في المقابل. ففي آب من العام ذاته، علمت الإدارة الأميركية أنّ حكومة ديم الجنوبية بدأت تسعى إلى مفاوضات مع فيتنام الشمالية بهدف إنهاء الصراع.
ولو كان لدى جون كينيدي أدنى نيّة للانسحاب، حين كانت الفرصة مثالية ومؤاتية للقيام بذلك، من دون أيّ تكلفة سياسية، كان بإمكانه الادّعاء أنّ الثبات الأميركي والدفاع المبدئي عن الحريات أرغما الفيتناميين الشماليين على الاستسلام. ولكن خلافاً لذلك، أيّدت واشنطن انقلاباً عسكرياً لتثبيت جنرالات يعتبرهم كينيدي أكثر انسجاماً مع التزاماته الفعليّة، وقتل، في هذه العمليّة، الرئيس ديم وشقيقه. ومع اقتراب النصر، وافق كينيدي، على مضض، على اقتراح كان قد تقدّم به وزير الدفاع آنذاك روبرت ماكنمارا لبدء سحب القوات الأميركية (NSAM 263)، ولكن بشرط حاسم: بعد الانتصار. وحافظ كينيدي على رغبته بإصرار، حتى اغتياله بعد بضعة أسابيع (تشرين الثاني 1963). وتم تلفيق الكثير من الأوهام بشأن تلك الأحداث، إلا أنها انهارت بسرعة تحت وطأة السجل الوثائقي الذي كان غنياً.
القصة، على المقلب الآخر، لم تكن مثالية كذلك، كما هو الحال في أساطير كاميلوت. وكانت إحدى أكثر قرارات كينيدي المترابطة منطقياً، عندما حوّل، في العام 1962، مهمّة الجيش الأميركي اللاتيني من «الدفاع في نصف الكرة الغربي» – المستمرة منذ الحرب العالمية الثانية – إلى «الأمن الداخلي»، أي بتعبير ألطف الحرب ضدّ العدو الداخلي: السكان.
ووفقاً لتشارلز ميتشلينغ، الذي قاد مكافحة التمرّد والتخطيط الدفاعي الداخلي في الولايات المتحدة في الفترة بين العامين 1961 و1966، فبعد قرار كينيدي، تحوّلت السياسية الأميركية من التسامح بشأن «جشع وقسوة الجيش الأميركي اللاتيني» إلى «التواطؤ المباشر» مع جرائمهم، وكذلك إلى الدعم الأميركي لـ «أساليب فرق الإبادة على غرار تلك التي كانت تابعة لهاينريش هيملر». ولأولئك الذين لا يفضّلون ما يسميه المتخصّص في العلاقات الدوليّة مايكل غلينون بـ «الجهل المتعمّد»، يمكنهم استخدام التعابير التي تناسبهم.
الوقائع واضحة للعارفين، بالرغم من انها لم تمرّ في «مصفاة» الثقافة الفكرية والشعبية العامة، وهي لذلك تشكل مفاجئة لمعظم الأميركيين، بمن فيهم قطاعات المتعلّمين. وبحسب الباحث اللاتيني جون كوتسوورث في الفصل الذي يتحدّث فيه عن أميركا الوسطى في الدراسة العلميّة الصادرة عن جامعة كامبريدج حول الحرب الباردة، فإنّ «التكلفة البشرية» لهذا الجهد، كانت مرتفعة جداً. فبين العام 1960، وهو الوقت الذي فكّك فيه السوفيات معسكرات الاعتقال لدى ستالين، والعام 1990 الذي شهد انهيار الاتحاد السوفياتي، فإن عدد المعتقلين السياسيين وضحايا التعذيب والإعدامات بحق المعارضين السياسيين السلميين في أميركا اللاتينية، تجاوزت إلى حدّ كبير تلك الموجودة في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية. بعبارة أخرى، فما بين العامين 1960 و1990، كانت الكتلة السوفياتية ككل أقل قمعاً، من حيث أعداد الضحايا البشرية، مقارنة بالعديد من بلدان أميركا اللاتينية».
وفي كوبا، ورث كينيدي سياسة سلفه دوايت إيزنهاور، التي قامت على الحصار وكذلك على خطط رسميّة لقلب نظام الحكم، سرعان ما تصاعدت من خلال غزو «خليج الخنازير». وتسبب فشل ذلك الغزو، بما يمكن وصفه بالهستيريا في واشنطن.
لم تختلف إجراءات كينيدي العمليّة عن تصريحاته. إذ أطلق حملة إرهابيّة قاتلة لجلب «أهوال الأرض» إلى كوبا، بحسب تعبير المؤرخ ومستشار الرئيس الأميركي آرثر شليزينغر. وبمعزل عن قتل الآلاف إلى جانب الدمار الكبير، كانت، «أهوال الأرض» عاملاً رئيسياً في اقتراب العالم إلى حافة حرب نوويّة، كما تكشف الدراسات الأخيرة. واستأنفت الإدارة الأميركية هجماتها الإرهابية حالما هدأت أزمة الصواريخ الكوبيّة (تشرين الأول 1962).
وهناك معيار مُحدّد للتهرب من المسائل غير السارة، وهو الحفاظ على مؤامرات وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ضدّ فيدل كاسترو. تلك المؤامرات كانت موجودة فعلاً، لكنها كانت هامشيّة مقارنة بالحرب الإرهابيّة التي شنّها الأخوان كينيدي (جون وروبرت) بعد فشلهما في غزو خليج الخنازير، وهي حرب تصعب مطابقتها في سجلّات الإرهاب العالمي.
ويكثر الجدل حول ما إذا كان يجب شطب كوبا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وهو ما يعيد إلى الأذهان كلمات كورنِليوس تاسيتُس (مؤرخٌ ورئيس قضاة في إحدى مقاطعات الإمبراطورية الرومانية): «عندما تُكشف الجريمة، فلا ملجأ لها سوى الوقاحة»، إلا أنها لم تُكشف، وذلك بفضل «خيانة المثقّفين».

بعد توليه منصبه عقب اغتيال كينيدي، قلص الرئيس الأميركي ليندون جونسون من سياسات الإرهاب، لكنه لم يكن ليسمح لكوبا أن تعيش بسلام. وشرح جونسون للسيناتور فولبرايت أنّه «لن يدخل في أيّ صفقة تتعلّق بخليج الخنازير»، لكنه أكد حاجته إلى نصيحة بشأن «ما يتعيّن على أميركا القيام به للتضييق على كوبا أكثر».
إلا أن البعض شعر أنّ الوسائل المعتمدة لهذا الغرض لم تكن كافية. من بين هؤلاء عضو المجلس الوزاري المصغّر الكسندر هيغ، الذي طلب من الرئيس جونسون أن يسمح له بتحويل «تلك الجزيرة اللعينة (كوبا) إلى موقف للسيارات».
وقد عبر هذا الكلام عن الإحباط الذي كان يعاني منه القادة الأميركيون بشأن «الجمهورية الكوبية الشيطانية»، بحسب تعبير ثيودور روزفلت، الذي غضب بشدة بسبب عدم قبول كوبا مكرُمة الغزو الأميركي في العام 1898، وتحويلها إلى مستعمرة افتراضية.
وقد علّق المؤرخ الكوبي لويس بيريز بالقول إنّ التدخل الأميركي، الذي اعتبر بمثابة تدخّل إنساني لتحرير كوبا من الاستعمار الاسباني حينها، حقّق أهدافه الفعلية في «تحويل حرب التحرّر الكوبيّة إلى فتوحات أميركية».
كيف تغيّرت الأمور خلال قرنين من الزمن؟
كانت هناك جهود مبدئية لتحسين العلاقات الأميركية - الكوبية خلال السنوات الخمسين الماضية، وهو ما استعرضه، بالتفصيل، وليام ليوغراندي وبيتر كورنبلا في دراستهما الشاملة الأخيرة بعنوان: «قناة العودة إلى كوبا». وسواء شعرنا «بالفخر» بفضل الخطوات التي اتّخذها الرئيس باراك أوباما أم لا، إلا أن ما حصل يعدّ بالتأكيد «خطوة صحيحة»، برغم أنّ الحصار المفروض على كوبا ما زال قائماً، في تحدٍ للعالم بأسره (باستثناء إسرائيل)، فيما السياحة ما زالت ممنوعة.
وخلال خطابه الذي أعلن فيه عن السياسة الجديدة، لمّح الرئيس الأميركي إلى أنّ معاقبة كوبا ستستمر بسبب رفضها الخضوع للإرادة والعنف الأميركيين. ومع ذلك، فإن ما يلي من خطابه كان جديراً بالاهتمام:
لقد دعمت الولايات المتحدة، بكل فخر، الديموقراطية وحقوق الإنسان في كوبا خلال العقود الخمسة الأخيرة. وقد فعلنا ذلك من خلال سياسات تهدف إلى عزل الجزيرة. وبرغم أنّ النوايا خلف تلك السياسة كانت حسنة، لم تنضم إلينا أيّ دولة أخرى في فرض العقوبات التي لم يكن لها أثر يذكر، باستثناء إعطاء ذريعة للحكومة الكوبية لفرض القيود على شعبها. اليوم سأكون صادقاً معكم: لا يمكن أبداً أن نمحو التاريخ بيننا وبين كوبا.
على المرء أن يُعجب بالجرأة المذهلة لتلك التصريحات، والتي تذكّرنا مرّة أخرى بكلمات كورنِليوس تاسيتُس (مؤرخٌ ورئيس قضاة في إحدى مقاطعات الإمبراطورية الرومانية): «عندما تُكشف الجريمة، فلا ملجأ لها سوى الوقاحة». بالطبع، لا يجهل أوباما التاريخ الفعلي، والذي يتضمّن بالإضافة إلى الحرب الإرهابية القاتلة والحصار الاقتصادي الفاضح، احتلالاً عسكرياً لجنوب شرق كوبا منذ أكثر من قرنٍ مضى، برغم مطالبة الحكومة الكوبية، منذ الاستقلال، استرداد ما سُرق منها تحت تهديد السلاح. وعلى سبيل المقارنة، تبدو سيطرة بوتين، غير المشروعة، على شبه جزيرة القرم حميدة.
لقد بلغ التفاني ذروته بهدف الانتقام من الكوبيين الذين يقاومون الهيمنة الأميركية، إذ أبطلت رغبات قطاعات قوية مثل مجتمع الأعمال أو حتى المستحضرات الطبية في التطبيع، ما يعتبر تطوراً غير عادي في السياسة الخارجية الأميركية.
وترغب واشنطن ومعاونوها في التظاهر بأنهم «عزلوا» كوبا، بحسب تصريح أوباما، لكن السجل يُظهر بوضوح أن الولايات المتحدة هي التي جرى عزلها، وهو ما يمكن أن يكون السبب الرئيسي للتغيير الجزئي الذي طرأ.
لا شك أنّ الرأي العام المحلّي كان له دور أساسي في خطوة أوباما «التاريخية»، برغم أنّ الجمهور كان يعمل لمصلحة التطبيع منذ فترة طويلة. فقد أظهر استطلاع للرأي للعام 2014 نشرت نتائجه شبكة «سي ان ان»، أنّ ربع السكان الأميركيين يعتبرون أنّ كوبا تُشكّل تهديداً خطيراً على الولايات المتحدة، بالمقارنة مع أكثر من ثلثي الشعب الأميركي عندما كان ريغان في منصبه (1981 – 1989).
وتعليقاً على قرار أوباما، كانت الفكرة الرائدة تدور حول جهود واشنطن «الحميدة» التي تهدف إلى تحقيق الديموقراطية وتعزيز حقوق الإنسان في كوبا. ولكن «الأهداف السامية» لم تتحقّق، لذا فإن تغيير السياسات كان مطلوباً.
هل كانت السياسات فاشلة؟ هذا يعتمد بالضرورة على الأهداف. وفي هذا السياق، يبدو الجواب واضحاً إذا ما ألقينا نظرة على السجل الوثائقي. كان التهديد الكوبي مألوفاً، إذ كان جزءاً من الحرب الباردة. لكن القلق الأساسي تركز حول احتمال ان تتحول كوبا إلى «وباء» وأن «تنشر العدوى»، في استعارة لتعبير كيسنجر عندما أشار إلى الرئيس التشيلي الراحل سلفادور أليندي.
وللتركيز على أميركا اللاتينية، أنشأ كينيدي، قبل توليه منصبه، «بعثة أميركا اللاتينية» برئاسة مستشاره آرثر شليزينغر. وقد حذّرت البعثة من إعجاب الأميركيين اللاتينيين «بفكرة قيام كاسترو بالاهتمام بالمسائل على طريقته»، وهو ما اعتبره شليزينغر خطراً حقيقياً. وكان شليزينغر يكرر رثاء وزير الخارجية جون فوستر دالاس الذي اشتكى للرئيس إيزنهاور من الأخطار التي يشكلها «الشيوعيون»، إذ إن في استطاعتهم «السيطرة على الحركات الجماهيرية»، الأمر الذي اعتبره ميزة غير عادلة «ليست لدينا القدرة على تكرارها».
وكانت الطريقة المُثلى للتعاطي مع أي وباء قابل للانتشار، تتمثل بقتل ذلك الوباء وتطعيم الضحايا المحتملين. تلك السياسة الحساسة التي سعت واشنطن إلى تحقيقها باعتبارها هدفاً رئيسياً، كانت سياسة ناجحة. وجرى «تلقيح» المنطقة بالديكتاتوريات العسكرية الشرسة لمنع انتقال العدوى، بدءاً بالانقلاب العسكري في البرازيل بعد وقت قصير من اغتيال كينيدي.
الأمر نفسه ينطبق على حرب فيتنام، التي توصف بالهزيمة أو الفشل الأميركي. لقد كانت واشنطن تخشى من انتقال العدوى إلى المحيط، ومن وصول هذه العدوى إلى اندونيسيا، أو إلى اليابان حتى، التي كان بإمكانها تطويع شرق آسيا لتتحول إلى مركزها الصناعي والتقني. هكذا، دمرت فيتنام تماماً. لم تعد نموذجاً لأحد. وتمت حماية المنطقة عبر استيلاد ديكتاتوريات دموية، تماماً كما حصل في أميركا اللاتينية في السنوات ذاتها.
لقد شكلت فيتنام نجاحاً جزئياً بهذا المعنى. لم تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق هدفها الأقصى المتمثل بتحويلها إلى فيليبين أخرى، لكنها تمكنت من تخطي هواجسها الكبرى، تماماً كما فعلت في كوبا، وفق المنطق الإمبريالي نفسه! اما ما تبقى من هذه السياسة فيمكن وصفه بالهزيمة، او الفشل، او القرارات شديدة السوء.
ترجمة ملاك حمود

هل يُستهدف التدين بعد «الإسلام السياسي»؟ / ياسر الزعاترة



ثمة نظرية في التعاطي مع الظاهرة الإسلامية ذات جذور صهيونية، ما لبث الغرب أن رحب بها، بخاصة بعد أن جرى تطبيقها على نحو ناجح (برأيه) في تونس «بن علي»، لكن الواقع العملي هو أن غالبية الأنظمة العربية قد طبقتها؛ بهذا القدر أو ذاك.
عنوان النظرية هو «تجفيف الينابيع»، وكان الصهاينة يشرحونها في سياق من الحديث عما يسمونه الإرهاب، قائلين إن محاربة بعوض الإرهاب لا يمكن أن يتم من خلال مطاردة كل بعوضة وقتلها، بل من خلال تجفيف المستنقع على نحو يقضي على كل البعوض.
في الحديث عن الظاهرة الإسلامية رأى دهاقنة الأنظمة، والناصحون لها من يساريين وليبراليين، وأحيانا من مشايخ ارتدوا على أدبارهم، أن ما يسمى الإسلام السياسي لم ينبت من الفراغ، وإنما هو نتاج التدين في المجتمع، وهو صانعه في آن، وإذا أرادوا تحقيق النجاح في محاربته، فلا بد من تحجيم ظاهرة التدين برمتها، ولن ينجحوا في ذلك من دون تقليل قيمة الدين في وعي الناس، وتسفيهه والحط من رموزه.
قبل سنوات ليست بعيدة نقل أحدهم حوارا قصيرا لرجل أعمال مع ضابط كبير في أمن الدولة في مصر كان يحتج على منع عمرو خالد من التدريس في أحد النوادي (نجل الرجل اهتدى من خلال دروس عمرو خالد بعد مرحلة ضياع). وحين قال رجل الأعمال إن الرجل (عمرو خالد) يخرج الشبان من أماكن اللهو والخراب إلى مربع الهداية، فكان رد الضابط، وإلى أين سيذهبون بعد ذلك؟!».
لماذا جاءت سيرة عمرو خالد التي تثير الحزن على ظاهرة دعوية جميلة ما لبثت أن وقعت في شرك السياسة فضيَّعت البوصلة؟!
نستعيد ذلك كله بين يدي ما يمكن للمراقب أن يلحظه في مصر، وعلى نحو أكثر سرعة مما توقعنا، ممثلا في استهداف الدين والتدين في المجتمع. وإذا كانت بعض الأنظمة قد استعانت بالسلفية التقليدية التي تنادي بطاعة ولي الأمر، وأخرى بالصوفية التي تغيّب الناس عن واقعهم من أجل محاربة الإسلام السياسي، فإن الموقف في مصر يبدو مختلفا هذه الأيام؛ إذ بدأت تجري ملامح واضحة لعملية استهداف للدين والتدين برمته، ويُرجَّح أن تتصاعد بالتدريج، وذلك من خلال إطلاق أعداد من صغار المشايخ كي يشككوا الناس في كل شيء. وربما في هذا السياق تنهض قصص موجة الإلحاد التي تنتشر بين الشباب.
قد يرى البعض أن من عمل الفضائيات الإثارة، وهي تبحث تبعا لذلك عن مشايخ يصدمون وعي الناس بطروحاتهم، لكن واقع الحال يقول: إننا أمام منظومة إعلامية تديرها مباحث أمن الدولة، وإن ما يجري ليس عفويا بحال من الأحوال، وقد حدث شيء من ذلك عمليا في مرحلة عبدالناصر حين استهدف جماعة الإخوان، وبدأت عملية تسخيف للتدين في وسائل الإعلام ومن خلال السينما التي أظهرت الشيخ بصورة «الأكول النكوح»، فكانت التراجع الذي وقع في منظومة الصحوة الإسلامية، والتي لم تبدأ رحلة صعودها من جديد إلا مع نهاية السبعينيات.
كل ذلك يعيدنا إلى تلك المجموعات التي حملها الثأر مع الإخوان، أو الطمع باحتلال مكانهم بعد استهدافهم، كما هو حال حزب النور، دفعها إلى تأييد الانقلاب، معتقدة أن موقفها هذا سيمنحها ما تريد، ولم يعتقد رموزها أن الاستهداف سيطال كل منظومة التدين في المجتمع، بوصفها هي ما ينتج ما يسمى الإسلام السياسي.
من هنا يمكن القول: إننا إزاء موجة من تسخيف الدين واستهداف المقدسات ستتصاعد في الواقع المصري، وربما يشمل ذلك أكثر الأنظمة العربية، بما فيها تلك التي تستند إلى شرعية دينية، ولا يقال إن دعم بعض المجموعات ضد الإخوان والجهاديين وغيرهم يؤكد التمسك بالدين، لأن من يفعلون ذلك يعلمون أن الصحوة مرتبطة بالاهتمام بشؤون الناس، وأية تدين ينحصر في الزوايا لا يمكنه البقاء في المدى المتوسط.
الصحوة الإسلامية في ضوء ذلك كله مستهدفة، وسنرى الكثير من معالم الاستهداف خلال المرحلة المقبلة، ليس في مصر وحدها، ولكن في معظم أنحاء العالم العربي، وستدرك تلك اللحى والعمائم التي شرَّعت الاستبداد أية جريمة ارتكبتها بحق الدين والتدين.
على أن ما ينبغي قوله أيضا هو أن لعبة كهذه لن تمر بسهولة، والأرجح أن لا تمر، لأن منظومة التدين في مجتمعاتنا باتت أكثر عمقا من أن يجري اقتلاعها، وما سيحدث هو أن موجة الربيع العربي ستعاود الصعود من جديد بعد أن تلتقط الشعوب وقواها الحية أنفاسها وتعيد ترتيب صفوفها وأوراقها مرة أخرى.


هل العقوبات الاقتصادية مُجدية؟ / كينيث روغوف




مع تناول وسائل الإعلام الإخبارية للعقوبات الاقتصادية الغربية ضد روسيا وإيران وكوبا، فلعل من المناسب الآن أن نراجع حقائق المناقشة الدائرة حول مدى فعالية ونجاح مثل هذه التدابير. للوهلة الأولى، نستطيع أن نقول إن العقوبات الاقتصادية تخلف تأثيرات متواضعة عادة، حتى وإن كانت تشكل وسيلة أساسية لإظهار العزيمة المعنوية الأخلاقية. وإذا كان للعقوبات الاقتصادية أن تلعب دوراً متزايد الأهمية في إدارة الدولة في القرن الحادي والعشرين، فقد يكون من المفيد أن نتأمل في الكيفية التي عملت بها في الماضي.
كما لاحظ جاري هوفبور وجيفري سكوت في كتابهما الكلاسيكي حول هذا الموضوع، فإن تاريخ العقوبات الاقتصادية يعود على الأقل إلى عام 432 قبل الميلاد، عندما أصدر رجل الدولة والجنرال اليوناني بيريكليس ما يسمى "مرسوم ميجارا" في الرد على اختطاف ثلاث من النساء. وفي العصر الحديث، استخدمت الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية لتحقيق أهداف متنوعة، من جهود إدارة كارتر في سبعينيات القرن العشرين لتعزيز حقوق الإنسان، إلى محاولات وقف الانتشار النووي في الثمانينيات.

وخلال الحرب الباردة، استخدمت الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية لزعزعة استقرار الحكومات غير الصديقة، وخاصة في أميركا اللاتينية، غير أنها لم تلعب أكثر من دور ثانوي، حتى برغم تغيير الأنظمة في نهاية المطاف. ولم تنجح العقوبات الاقتصادية ضد صربياً في أوائل التسعينيات في ردع غزو البوسنة. ومن المؤكد أن العقوبات الرمزية التي فرضتها حكومة الولايات المتحدة على أسطورة الشطرنج بوبي فيشر (لأنه لعب مباراة في بلغراد في مخالفة للعقوبات) لم تخفف المعاناة عن مدينة سراييفو المحاصَرة.
كما مارَس الاتحاد السوفييتي القديم لعبة العقوبات ــ على سبيل المثال، ضد الصين وألبانيا ويوغوسلافيا. ولم تحقق العقوبات السوفييتية نجاحاً كبيرا، ربما باستثناء حالة فنلندا، التي اضطرت في نهاية المطاف إلى تغيير سياساتها طلباً للخلاص من العقوبات التي فُرِضَت عليها في عام 1958.
إن أغلب العقوبات في العصر الحديث تفرضها دولة كبرى على دولة صغيرة، ولو أنها في بضع حالات قليلة تشمل دولاً متساوية الحجم، مثل الشجار الطويل، من الخمسينيات إلى الثمانينيات، بين المملكة المتحدة وأسبانيا بشأن جبل طارق.
وكما أوضح هوفبور وسكوت، بين باحثين آخرين، فإن آثار العقوبات غالباً ما تكون مخيبة للآمال إلى حد كبير ــ حتى أن العديد من الباحثين استنتجوا أن مثل هذه التدابير تتخذ عادة حتى يتسنى للحكومات أن تُظهِر لجماهير الداخل أنها "تفعل شيئا". فمن المؤكد أن العقوبات الأميركية الصارمة ضد كوبا فشلت في إخضاع نظام كاسترو؛ والواقع أن الخطوة التي اتخذها الرئيس باراك أوباما لإعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع كوبا ربما تكون أعظم تأثيرا.
ولكن في بعض الأحيان تنجح العقوبات. فقد ساعد الإجماع الدولي القوي على فرض العقوبات على جنوب أفريقيا في الثمانينيات في وضع حد لنظام الفصل العنصري هناك في نهاية المطاف. وعلى نحو مماثل، ساعدت العقوبات في حمل إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وإن لم يكن من الواضح إلى متى قد تكون الحكومة الإيرانية على استعداد لتأجيل طموحاتها النووية. واليوم يواجه الاقتصاد الروسي ورطة كبرى، ولو أن هذا ربما يوصف بكونه ضربة حظ راجعة إلى الضرر الحقيقي الناجم عن انهيار أسعار النفط العالمية.
ففي روسيا، حيث ضرب انهيار الأسعار الإيرادات الحكومية بشدة، يزعم البعض أن الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية يتآمران لإخضاع روسيا. ولكن هذا التصور يبالغ في تقدير مدى فعالية الاستراتيجيات الأميركية. فالأرجح أن الهبوط الحاد في أسعار النفط كان راجعاً إلى تركيبة تتألف من الثورة التي أحدثتها طاقة الصخر الزيتي في الولايات المتحدة والتباطؤ الحاد في النمو الصيني. فقد ساعد التباطؤ في الصين في التعجيل بهبوط واسع النطاق في أسعار السلع الأساسية وهو ما يخلف تأثيراً مدمراً على بلدان ليست على خلاف مع الولايات المتحدة، مثل الأرجنتين والبرازيل.
الواقع أن أحد الأسباب وراء قصور العقوبات الاقتصادية في الماضي كان عدم امتثال كل البلدان لها. وأيضاً كانت الاختلافات الكبيرة في الرأي داخل الدولة التي تفرض العقوبات ذاتها كثيراً ما تقوض العقوبات.
وعلاوة على ذلك، يتعين على البلدان التي تقرر فرض عقوبات على بلدان أخرى أن تكون قادرة على معالجة نقاط الضعف لديها. ولعل النظام في كوريا الشمالية هو الأسوأ في العالم اليوم، ولا يسعنا إلا أن نتمنى انهيار حكومته القاسية قريبا. ورغم ذلك فقد نجح نظام كيم في التشبث بالسلطة برغم خضوعه لعقوبات اقتصادية شديدة، ربما لأن الصين، التي تخشى من وجود كوريا الموحدة على حدودها، ليست على استعداد بعد لسحب الدعم الذي تقدمه لكوريا الشمالية.
ومن السهل رغم ذلك أن ننسى أن هناك وجهات نظر مختلفة في العلاقات الدولية، حتى في الحالات الأكثر تطرفا. فبرغم الإدانة المستحقة للهجوم المزعوم الذي شنته كوريا الشمالية على أجهزة الكمبيوتر في شركة سوني بيكتشرز، يتعين علينا أن نعترف بأن كوريا الشمالية، من منظور النخبة هناك، وظفت ببساطة مبدأ الانتقام الاقتصادي، مثلما كانت أي دولة أخرى لتفعل. فقد أنتجت شركة سوني بيكتشرز فيلماً هزلياً احتوى على سخرية لاذعة من زعيم كوريا الشمالية "الجنرال الصغير" كيم جونج أون. وكانت إهانة لا تُطاق، ردت عليها النخبة في كوريا الشمالية بالتخريب الاقتصادي بدلاً من العمل العسكري.
ولا ينبغي لنا أن ننسى أن روسيا أيضا وظفت الهجمات الإلكترونية في خدمة أهداف السياسة الخارجية. والواقع أن روسيا لديها كتائب أكثر شراسة في شن الهجمات الإلكترونية مقارنة بكوريا الشمالية (وإن كان قدراً كبيراً من المواهب المتميزة لديها في هذا المجال توظف حالياً في دوائر المافيا، وليس في العمليات الاستراتيجية).
في عالم حيث تسبب الانتشار النووي في جعل الحروب العالمية التقليدية ضرباً من المستحيل، فمن الواضح أن العقوبات الاقتصادية وعمليات التخريب من المرجح أن تلعب دوراً كبيراً في الجغرافيا السياسية في القرن الحادي والعشرين. ولكن بدلاً من منع الصراع، ساعدت عقوبات بيريكليس الاقتصادية في اليونان القديمة في إشعال شرارة الحرب البيلوبونيسية في نهاية المطاف. ولا يملك المرء إلا أن يأمل أن تكون الغَلَبة للعقول الرزينة الحكيمة في قرننا هذا، وأن تؤدي العقوبات الاقتصادية إلى التفاوض وليس العنف.
ترجمة: أمين علي    

عام جديد.. والجديد القادم / سميرة رجب




انتهى عام 2014، وبدأ عام جديد نتمنى ان يكون افضل من السابق على الأمة جمعاء، والتفاؤل دائماً هو ما ينير طريق الشعوب والأمم الطموحة. 
ولكن رياح أمتنا العربية، حتى الآن، لا تزال تسير عكس ما تشتهيه سفننا.. ولا يمكن أن ننكر أن العقد الثاني من القرن الجديد، الذي نعيشه، يشهد انقلابا في الوضع العربي، على مستويات خطيرة، مما يتطلب قراءة يومية ومساعي واعية لكل أدوات هذا التغيير الخطير وأسبابه.
التغيير سنة الحياة، ولا يمكن ان يكون مرفوضا في أي ظرف، مكان أو زمان، ولكن التغيير عندما يؤَسَّس على قاعدة الخطأ، وفي قالب أكثر سوءا من الوضع القائم، فإن كل وسائل مقاومته تصبح مشروعة... ومن المؤسف أن عمليات التغيير، التي بدأت في منطقتنا سواء بالغزو الخارجي وغارات الناتو أو بما يدعى الربيع العربي، تعمل على استنفاد طاقات مجتمعاتنا ومواردنا في نزيف مفتوح على صراعات لم يكن لها وجود قبل ذلك التاريخ.
التغيير جاء للمنطقة بصراعات الارهاب الديني، والمد الطائفي، والفصل الإثني، وبنزيف دموي واقتصادي وسياسي... ولا شيء غير ذلك.
التغيير زرع الإرهابيين والارهاب (الديني والطائفي) في العراق وليبيا، في ظل الفوضى العارمة التي تعيشها هاتان الدولتان المنكوبتان، ومن هناك يتم تصديره... وتعيش دولنا العربية تبعات ذلك الارهاب الثري بالمال والتسليح والتكنولوجيا والإعلام وبالطواقم البشرية المدربة احدث تدريب.
التغيير ترافق مع إعلام موجه نجح في إقناع العالم بأن الارهاب إسلامي الهوية، وعربي المنشأ، عبر أعلام ذكي وخطير.
التغيير رسم صورة قاتمة للعربي والمنطقة العربية... فالعربي اليوم هو ذلك الإسلامي الإرهابي المنبوذ المشتبه به، والمطلوب أمنياً... والمنطقة العربية هشة، غير آمنة وغير مستقرة، بكل ما تحمله هذه الصورة السلبية من تبعات دولية خطيرة، تصل الى حد التدخل الخارجي العسكري والسياسي والاقتصادي بذريعة الحفاظ على استقرار وأمن العالم. 
التغيير خلق قنوات جديدة للتدخل الأجنبي في شئوننا، بذريعة القضاء على الارهاب، وسهّل عودة الاستعمار مرحباً به، لحماية أمن منابع النفط.
التغيير نجح حتى الآن في تنفيذ مشروع الشرق الاوسط الجديد التفتيتي، حتى صار العرب يترحمون على مشروع سايكس بيكو التقسيمي القديم.
التغيير بكل أهواله، أفقد العرب وعيهم وذاكرتهم... فنجحت «ديمقراطية» الفصل الاثني ببلداننا في تحقيق حلم «حدود اسرائيل، من الفرات الى النيل» بذلك الحضور الاسرائيلي القوي والمكثف في تأسيس جمهورية السودان الجديد على ضفتي النيل، والدولة الكردية على ضفاف فرات العراق.
التغيير مكّنَ الأحزاب الدينية والطائفية لتصبح أحزاباً حاكمة، تنادي بالديمقراطية وتمارس الكهنوتية.
التغيير خَلطَ الأيديولوجيات الطائفية بالقومية واليسارية، وقضى على النخب الوطنية لصالح الطائفية، ووضع المثقف العربي في وسط سعير تناقضات هذا الموقف الخطير.
التغيير وأهواله الدموية يضع اليوم اللمسات الاخيرة على خريطة الدويلات الشيعية والسنية والإثنيات الجديدة، بعد ان جعل هذه الخريطة أمراً واقعا ومقبولاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح والأراضي التي تخسرها الأمة مع فجر كل يوم جديد. 
إنه التغيير، ذلك المشروع الجديد الذي نزل على الأمة «كالسيل الجارف»، كما وصفه حسنين هيكل، ومازال يجرف في طريقه كل الخرائط السابقة للأمة، بما فيها خريطة سايكس بيكو... هذا هو مشروع القرن الواحد والعشرين الذي رغم كل الأدلة والبراهين الثابتة لم يحظ باهتمام القادة العرب، حتى من باب الاحتمالات.
وها نحن ندخل عام 2015 مع أحدث وأخطر مراحل المشروع، والذي وصفه البعض بالحالة الجديدة «الخالية من الدماء والقتلى والأرامل، ومن القنابل والصراع الأيديولوجي...»، ولكنها قد تكون سببا في انهيارات خطيرة جدا، وعلى نار هادئة... إنها حرب أسعار النفط، التي بدأت بالانخفاض لمستويات فاقت كل التوقعات، حتى الآن، من دون ان تعلن بلداننا النفطية عن الأضرار المتوقعة، وما ستواجهه مجتمعاتنا، في أفضل وأسوأ الاحتمالات (السيناريوهات). 



تقارير من طهران تؤكد: إيران مقبلة على أزمة داخلية حادة



من أورينت برس


يبدو ان عام 2015 يحمل الكثير من التوقعات السلبية للجمهورية الاسلامية في ايران، مع بروز مشكلات كثيرة تنخر صلب نظام الملالي.
اليوم، تلوح في الأفق بوادر أزمة جديدة داخل التيار المتشدد في إيران، لا تقل وقعا عن فضيحة الفساد التي فاحت خلال الأسابيع الماضية، لتزيد من تعميق الأزمة التي يعيشها النظام سياسيا مع جيرانه في المنطقة بسبب تنظيم الدولة الاسلامية واقتصاديا مع المجتمع الدولي بسبب برنامجه النووي، والذي طالما سوق على أنه أفضل الأنظمة الحاكمة في منطقة الشرق الأوسط، ليتبين ان الامر غير صحيح على الاطلاق وان النظام ينتهشه الفساد وسوء الادارة والحوكمة.
«اورينت برس» اعدت التقرير الآتي:
لم تكن انطلاقة العام الجديد جيدة بالنسبة الى النظام الايراني، اذ يبدو ان مشكلات وازمات كثيرة بدأت تظهر على السطح بعدما حاول قادة النظام طمسها بشتى الطرق الممكنة. ورغم الطرق القمعية والاساليب العنفية التي يتبعها النظام مع معارضيه، فإن البعض لم يعد يطيق السكوت اكثر عما يجري وآثر الحديث في العلن والمجاهرة بآرائه التي لا تعجب القادة والملالي على الاطلاق.
صوت المعارضة
في هذا الاطار، اتهم زعيم المعارضة الإيرانية، مير حسين موسوي، الذي يعيش تحت الإقامة الجبرية منذ سنوات، الزمرة الحاكمة في البلاد التي وصفها بـ«الفاسدة» بأنها وراء محاولات الانقلاب على النظام، بحسب ما ذكره موقع «كلمة» الإيراني المقرب من التيار الإصلاحي، وقد كان لتصريحه وقعا مدويا في ايران.
وفي أول ظهور له، رفض المرشح السابق للرئاسة في عام 2009، الاتهامات التي تسوقها وسائل الإعلام الإيرانية الموالية للنظام ضده بمحاولة قلب نظام الحكم. وقال إن «الذين قلبوا النظام هم الفاسدون الذين بنوا فسادهم من خلال استغلال جيوب المحافظين والمعدمين والحفاة»، في إشارة إلى الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد وحاشيته.
وتأتي هذه التصريحات قبل ساعات من احتفال إصلاحيي إيران، بذكرى احتجاجات الحركة الخضراء التى قادها المرشحون الخاسرون مير حسين موسوي ومهدي كروبي قبل خمس سنوات عقب انتخابات رئاسية مثيرة للجدل فاز فيها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد لولاية ثانية، وسط تبادل الاتهامات من قبل المتشددين، ووسط معلومات مؤكدة عن عمليات تزوير وضغوط واسعة افضت إلى انتخاب نجاد لولاية ثانية، قبل ان ينقلب عليه آية الله علي خامنئي ويقرر ان يطرده من دائرته المقربة بعد هفوات واخطاء لا تغتفر ارتكبها نجاد والمقربون منه.
اتهامات باطلة
وأوضح مير حسين موسوي، الذي يواجه اتهامات بانه خطط لعملية انقلاب على الحكم، أنه منذ بداية فرض الإقامة الجبرية عليه وحتى الآن حاول وزوجته من خلال الحراس أن ينقل الى المسؤولين أنهما على أتم الاستعداد للمثول أمام القضاء في محاكمة طالب أن تكون عادلة وعلنية، مؤكدا أن النظام لم يرد على مطالبه وفضل ابقائه في الاقامة الجبرية الخانقة.
وطل زعيم المعارضة في رسالة هي الأولى من نوعها التي تصل الى الرأي العام منذ أن فرض النظام الإيراني الإقامة الجبرية عليه قبل أربع سنوات بسبب اتهامه الرئيس الايراني السابق نجاد بتزوير الانتخابات الرئاسية حيث أسس بعدها زعيم المعارضة حركته «الخضراء».
ويفسر محللون ظهور زعيم المعارضة مير حسين موسوي عبر رسالة في هذا التوقيت بالذات ما آل إليه النظام في إيران من فساد لازم الاستبداد والقمع الذي دأب عليه منذ وصوله إلى مقاليد السلطة أواخر سبعينيات القرن الماضي لدرجة قد يصعب عليه الإمساك بزمام الأمور مع ظهور صراع على كرسي الخلافة بعد وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي الذي يعاني راهنا من امراض كثيرة حسبما تقارير غربية.
كما أشاروا إلى أن المعارضة الإيرانية تحاول استغلال الفراغ الذي قد يحصل في أي لحظة في هرم السلطة من أجل تأليب الرأي العام حولها لدفعه إلى الشارع لإنهاء الحكم المشدد الذي تفرضه زمرة قليلة على الشعب الإيراني بذريعة أنها تدافع عن مصالح الأمن القومي للبلاد.
لا ردود فعل
ولم يبد أي من المسؤولين في الحكومة الإيرانية أو في هرم النظام أي تعليقات أو ردود أفعال حول رسالة مير حسين موسوي، غير أن مراقبين رجحوا أن تثير أزمة عاصفة في البلاد خصوصا مع تبادل التيار المتشدد الاتهامات حول هذه المسألة التي أثارت حفيظة الرأي العام والمجتمع الدولي.
ورغم وعود الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال حملته الانتخابية بأنه سيعمل على رفع الإقامة الجبرية عن زعيمي الحركة الخضراء، موسوي وكروبي، إلا أنه لم يف بوعده، كما ان تباين المواقف لدى النظام الحاكم المتشدد زاد من وقع الأزمة التي تعيشها إيران حيث ما فتئ رئيس المجلس الثقافي التابع لمكتب الرئاسة الإيرانية، رضا أكرمي، يؤكد أن رفع الإقامة الجبرية عن موسوي وكروبي ليس من اختصاص روحاني، وان الاخير لا يقدر على اتخاذ قرار مماثل، وهو امر في انتقاص من هيبة الرئيس وصلاحياته، ولكن الامر اعتيادي في نظام كالنظام الايراني لا يملك الرئيس فيه لا ناقة ولا جمل امام اوامر ورغبات المرشد الاعلى وما يمليه عليه.
مطالبة بالاعدام
ومن ناحية اخرى، يطالب شق آخر من التيار المتشدد بإعدام زعماء الحركة الإصلاحية بسبب قيادتهم للاحتجاجات على خلفية إعادة انتخاب الرئيس السابق أحمدي نجاد وذلك في ذكرى ما يعتقدون أنه يوم القضاء على الفتنة التي أشعلها الغرب سعيا لقلب الحكم من كل عام، وهم يريدون من ذلك ان يطفئوا اي امل باحتمال انبثاق ثورة شعبية جديدة ضد الحكم الحالي والانعتاق من القيود الخانقة التي يفرضها نظام الملالي.
وفي هذا الصدد، أوضح الرئيس السابق لمؤسسة الشهداء الإيرانية، محمد حسن رحيمان أن من أسماهم المنافقين الجدد بصدد قلب النظام وحكمهم طبق القرآن الكريم هو القتل، فيما اعتبر وزير الثقافة والإرشاد، على جنتي، المحسوب على حكومة روحاني المعتدلة، أن احتجاجات 2009 كانت مؤامرة تحركها أياد خارجية لتخريب إيران من الداخل.
إلى ذلك، اعتبر عضو البرلمان الإيراني، الياس نادران، أن على الإصلاحيين إبداء موقفهم بوضوح إزاء ما حدث إبان الانتخابات الرئاسية قبل خمس سنوات، فالفرصة الآن مواتية لأخذ موقف ممن وصفهم بالخائنين، على حد تعبيره. من جانبه، أشار ممثل المرشد الاعلى علي خامنئي في قوات الحرس الثوري محمد رضا توسركاني، أن قضية إطلاق سراح زعيمي المعارضة موسوي ومهدى كروبي ترتبط بقائد الثورة على خامنئي، مضيفا أن أي إجراء يتخذ بحقهم يجب أن يكون سريا وأن يتحرك في ظل الإجراءات القانونية ويخضع إلى تأييد المرشد نفسه، وبذلك اكد مجددا ان روحاني لا يمتلك من الصلاحيات ما يكفي للبت بملف مماثل، ولاسيما وان كروبي وموسوي يمثلان شريحة كبيرة من الايرانيين المعارضين للنظام الذين لا زالوا يأملون وان سراً بقلب النظام.
ازمة حادة
ويبدو أن إيران، وفق مراقبين، مقبلة في الأيام القادمة على أزمة حقيقة جراء الخلافات الحادة حول التعاطي مع ملف زعماء المعارضة خصوصا مع تفشي أزمة الفساد التي طفت على السطح قبل أشهر ويحاول النظام التستر عليها بسبب علاقة المتورطين فيها بالرئيس السابق أحمدي نجاد الذي لطالما تمسك خامنئي بالدفاع عنه.
وفي أوائل شهر ديسمبر من العام 2014، دعا طلاب إيرانيون إلى الإفراج عن قادة المعارضة الذين تفرض السلطات عليهم الإقامة الجبرية منذ شهر فبراير من العام 2011 بسبب دعواتهم لمسيرات مؤيدة للربيع العربي.


السبت، 3 يناير 2015

المذنبون بلا ندم! / ناظم مهنا



كان سارتر يرى في مثقفي عصره «مذنبين كباراً» لما يشيعون من «وعي تعس» في مجتمعاتهم، ويرى إنهم خدعوا الشعب في الظروف الهامة كافة، وحملوه على أن يدير ظهره لمصالحه بالذات، وخدعوا بعضهم بعضاً بصدد كل شيء  
 ويرى أن مفهوم المثقف غير مستقر. في الوقت الذي كان آخرون كثر يرون في المثقف منارة، وفي جماعة المثقفين طليعة ترشد إلى التنوير، ولكلا الرأيين وجاهته ونصيبه من الصواب ربما. ولكن ما الذي يدفع سارتر صاحب كتاب «دفاع عن المثقفين» لأخذ هذا الموقف في السنوات الأخيرة من حياته؟! يشير سارتر إلى العجز والخور عند هؤلاء وإلى أنهم ضعاف بالطبيعة، فهم لا ينتجون وليس لهم إلا أجرهم أوداً لحياتهم، وهذا ما يجردهم من كل إمكانية للدفاع عن أنفسهم في المجتمع المدني والسياسي على حد سواء ويقول: «هاهم هؤلاء عديمو الفعالية، متذبذبون. ونظراً إلى افتقادهم كل سلطة اقتصادية أو اجتماعية تراهم يعدون أنفسهم نخبة مدعوة إلى تقييم كل شيء والحكم عليه..» ومع ذلك ورغم أنهم «يتلبسون روح النفي دوماً وأبداً» لا مناص من وجودهم للحفاظ على الثقافة ونقلها وإغنائها.

ويشير سارتر منذ عام 1968 إلى الدعوات القائمة في أوروبا على قدم وساق إلى موت هؤلاء الناس الذين يدعون معرفة كل شيء، وذلك بتأثير أفكار أمريكية تطلق التكهنات حول اضمحلال أو موت المثقفين التقليديين كدور وفاعلية، لأن تقدم العلم، حسب هؤلاء، سيفضي لا محالة إلى الاستغناء عن هؤلاء الموسوعيين المزعومين بفرق من الباحثين المتخصصين. ويبدو أن هذا قد تحقق في أماكن عديدة وفي درجات متفاوتة، ويبقى لهم في بلداننا دور وظيفي قد يزول عندما تنتفي حاجة مموليهم إليهم. ولعل واحداً من أخطر الأدوار التي يقوم بها بعض المثقفين عن قصد أو عن غير قصد هو الروح العدمية الرافضة لكل شيء، ومثقفو القرن العشرين امتهنوا الرفض حتى صار عقيدة شبه مقدسة تترافق مع الهجوم على المؤسسات وعلى المنظومات بكافة أشكالها باعتبارها ذات بنيان هرمي، لا تتناسب مع الروح الفوضوية للمثقفين. وتقوم الثقافة الأدبية والسردية لهذا النمط من المثقفين على الإعلاء من شأن الهامشيين والمنعزلين والمنفيين، قسراً أو طوعاً، والمنشقين، والمعادين لدولهم ولجماعاتهم. وأصحاب هذه النظرة حتى ولو انتموا لليسار إلا أنهم نخبويون، لا يبالون بالناس ولا بمشاعرهم، وهم يقينيون أيضاً إلى أبعد حد، ليس لهم إلا أن يشهروا الـ«لا» في وجه كل اقتراح أو مبادرة. وهم ضد أي إصلاح جملة وتفصيلاً، وعندهم التراجع عن الموقف، حتى ولو كان بيّن الخطأ، يعد هزيمة شخصية لا يمكن احتمالها، فلا يجرون مراجعات بل المزيد من المكابرات المتتالية والراديكالية التي توقعهم، وتوقع آخرين معهم ممن يعجبون بهم في أخطاء مميتة.
إنهم يفتقرون الموضوعية، وهم بعيدون عن ما يدعون من انفتاح على الأفكار وعلى الآخرين، بل يتمترسون في مواقفهم (الثورية) ولو كانوا يركبون بغال الليبرالية، ويتحدثون صبح مساء حتى في خلواتهم عن الديمقراطية وحرية الرأي والرأي الآخر، فهم في الحقيقة على عداء مع أي رأي يخالفهم، ويعتقدون بكل بطر واستعلاء أنهم وحدهم، يملكون الحقيقة، ولا يوجد عندهم إلا اليقين الصلف والشك كل الشك بالآخرين! يسمى هؤلاء بالفوضويين أو الراديكاليين في السياسة وفي الفلسفة والفكر يعرفون بالعدميين، وأشهر أعلامهم الروسي باكونين الذي عاصر كارل ماركس واختلف معه، وهو زعيم الفوضويين عبر العصور بلا منازع، وهو من دعاة العنف ضد أي شكل من أشكال الدولة والمؤسسات! ورغم الجاذبية الثقافية للرفض إلا أنه يأخذ منحى هداماً وتخريبياً عندما يتحول في الواقع إلى عنف منفلت، ويقوض المجتمعات. مثل هؤلاء المثقفين المذنبين لايعول عليهم في بناء الأوطان وإصلاح المجتمع، مهما بلغت درجة ثقافتهم.
أتباع هذا التيار موجودون في كل مكان.

مطالع هذه الألفيّـة / د. صلاح صالح



شاع اسم (بياتريس) في الثقافة الغربية بعد أن جعله دانتي اسم المرأة التي تتقاسم الحب مع الراوي في (الكوميديا الإلهية) ووجود الاسم جزءاً من عنوان رواية أمين المعلوف (القرن الأول بعد بياتريس) يستدعي إلى الأذهان عالم (الكوميديا) بعد أن اكتسب الاسم في الثقافة الأوروبية سمة نمطية،  
 كالسمة التي اتخذها اسم (جولييت) في مسرحية شكسبير على سبيل المثال. وأساس الاستحضار يندرج في أن الروايات التي كتبها أمين المعلوف متأسسة على أحداث تاريخية معروفة، يقع معظمها الذي صنع اسم الكاتب في مفاصل شديدة الحساسية والخصوصية في العلاقة بين العالمين الأوروبي والعربي، خلافاً لهذه الرواية التي أنشأتها عملية التخييل المعتمدة في صناعة الأدب.
لا صلة بين اسم (بياتريس) المعلوف و(بياتريس) دانتي إلا المشابهة بين الاسمين، فبياتريس في رواية المعلوف ابنة، وليست حبيبة، والقرن المرصود في الرواية هو قرننا الحادي والعشرون الذي سعى المؤلف إلى استشراف ملامحه الكبرى قبل حلوله بسنوات، في سياق ما نعيشه من ظرف مريع على مستوى العالم، لا مستوى المنطقة فقط، وفي هذا السياق يتجاوز القارئ بعض المسائل الخاصة بالرواية، وخصوصاً مسألة (وجهة النظر) التي يصوّبها السرد في سياق ترسيخ ما تراه الدوائر الغربية عموماً، والفرنسية خصوصاً، في مختلف الشؤون، ورغم أهمية ما يجري تجاوزه في الشأن المشار إليه، فمن المناسب أن نلتفت إلى ثلاث مسائل أثارتها الرواية بشكل ينذرنا بأن هذا القرن هو قرن انقراضنا من الجغرافيا والتاريخ، بموجب الإبادة الذاتية التي صنع (الشمال) بحسب الرواية ظروفها المثلى لجعل التدمير الذاتي حتى الانقراض حدثاً حتميّاً.
المسألة الأولى تتمثل في ما سمته الرواية (شبكة الحكماء) التي تلقي على نفسها عبء خلاص العالم، عبر تقديم الدراسات العلمية الرصينة، والمواعظ الأخلاقية التي تضعها بين أيدي قادة الدول الغربية النافذة، لكي يتصرفوا بهديها. ومن التلقائي أن ينتمي (الحكماء) إلى البلدان الشمالية المتقدمة المهددة بما يحدث في دول الجنوب، من عنف، وتدمير ذاتي متسارع.مع الالتفات إلى ما يريب في اختيار أسماء الحكماء، وطبيعة أبحاثهم الحكيمة.
وتتمثل الثانية في أن الغرب يسعى إلى تعقيم أبناء الجنوب على طريقة ما يفعله العلماء في إطار القضاء على الحشرات الضارة، حين يطرحون مبيدات، وعقاقير جهازية تنتج عقماً لدى أحد الجنسين، أو تنتج خصوبة كاذبة، تؤدي إلى حتمية القضاء على أجيال وأجيال من الحشرات المستهدفة بالإبادة، ويتمثل ذلك على المستوى البشري في إنتاج عقاقير تؤدي إلى تسهيل ولادة الأطفال الذكور المرغوبين بشدة لدى أبناء الجنوب، بالتوازي مع تجفيف ولادة الإناث (غير المرغوبات) في عوالم التخلف. 
والأمر لا ينتمي إلى (فانتازيا) مستقبلية يمكن أن ينجزها التطور المتسارع للعلم، ففي الهند والصين الخاضعتين لتحديد النسل، صارت عمليات التصوير الشعاعي تحدد جنس المولود قبل ولادته، فإذا كان الجنين أنثى تسارع الأم إلى التخلص منه، بحيث تختلّ النسبة اختلالاً مريعاً خلال عدد قليل من العقود، وهو ما يؤدي إلى تفشّي عمليات اغتصاب الفتيات النادرات، وتفشّي العنف الذكوري المفتقر إلى وجود الإناث إلى أقصى حدود التفشي. ولا يقف الشمال (الإنساني جداً) مكتوف الأيدي إزاء هذه الظاهرة المريعة، فيعمد إلى استيراد الإناث الوليدات من الجنوب، لغايات إنسانية، تنتهي بفرض عمليات التبني في المجتمعات الأوروبية التي تعاني ظاهرة الانكفاء عن الإنجاب لأسباب مغايرة شتى، لتصيب عملية الاستيراد ذات الشكل العنصري عدّة أحجار برمية واحدة: فهي تحرم الجنوب من إناثه النادرات. وتخضع المستوردات لتربية شمالية حضارية شاملة. وتعفي السيدات الشماليات من عناء الحبَل وآثاره على الجسد الأنثوي.
  وتندرج الثالثة في إطار التنبّؤ بالعنف الراهن القائم على أسس مذهبية وعرقية، وطائفية، لا تنحصر في بلد جنوبي دون بلد، ومنطقة جنوبية دون أخرى، لكنه عنف مبرمج، ويحظى بالرعاية الشمالية الدائمة. 


مفاجأة السياسة النقدية في الصين / ستيفن س. روتش





يبدو أن الأفعال أعلى صوتاً من الأقوال في السياسة الاقتصادية، تماماً كما هي الحال في أغلب المجالات الأخرى. فعن طريق خفض أسعار الفائدة الرسمية، أكَّد بنك الشعب الصيني على التركيز التكتيكي لسياسة تثبيت الاستقرار التي تنتهجها الحكومة الصينية، والتي تهدف إلى وضع حد أدنى للنمو بنسبة 7% من الناتج المحلي الإجمالي.

ولن يكون تحقيق هذه الغاية بالمهمة السهلة. ذلك أن اقتصاد الصين يواجه رياحاً بنيوية معاكسة ناجمة عن التحول إلى نموذج جديد للنمو تقوده الخدمات والاستهلاك، وضغوطاً دورية تصاحب البيئة العالمية القاسية التي تفرض ضغوطاً على النموذج القديم القائم على التصدير والاستثمار. وتثبت التحديات الدورية بشكل خاص كونها أكثر حِدة مما كان متوقعا. فبرغم انخفاض الصادرات إلى حد كبير من مستوى الذروة الذي بلغته قبل الأزمة (35 % من الناتج المحلي الإجمالي)، فإنها تظل تشكل نحو 24 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا يجعل الصين عُرضة لدورة النمو العالمية ــ وخاصة للأسواق في العالم المتقدم، حيث الطلب ضعيف للغاية.

الواقع أن 42 % من الصادرات الصينية تذهب إلى أوروبا، والولايات المتحدة، واليابان ــ الاقتصادات الثلاثة التي تكاد تنزلق إلى الركود المادي الطويل الأجل. وكانت أوروبا، التي تُعَد السوق الأكبر لصادرات الصين، هي الأشد معاناة.
ولأن فشل استراتيجيات النمو يبدأ عندما تبلغ الاقتصادات مستوى الدخل المتوسط ــ وهي العتبة التي تقترب منها الصين بسرعة ــ فإن الصين لا تملك ترف السماح للمخاطر الدورية المتصاعدة بتقويض تحولها البنيوي. ويُظهِر التاريخ الحديث أن أفضل وسيلة تنزلق بها أي دولة نامية إلى «فخ الدخل المتوسط» المروع هي أن تتشبث بنموذجها القديم لفترة أطول مما ينبغي. والحقيقة هي أن التحول البنيوي وحده القادر على رفع الدول النامية ذات الدخل المتوسط إلى مصاف الدول المتقدمة ذات الدخل المرتفع. ومن حسن الحظ أن قادة الصين يدركون هذه الحقيقة، وملتزمون بتحقيق التحول البنيوي.
كان الرئيس شي جين بينج يتقدم الجهود الرامية إلى تعزيز التقدم على مسار الإصلاح وإعادة التوازن. وقبل عام واحد، في إطار الجلسة الثالثة المكتملة للجنة المركزية الثامنة عشرة للحزب الشيوعي الصيني، رسم شي جين بينج وفريقه أجندة الإصلاح الاقتصادي الأكثر طموحاً منذ 35 عاما. وهذا، إلى جانب الخطة الخمسية الثانية عشرة التي بدأت عام 2011، يسلط الضوء على التزام السلطات بتعزيز قطاع الخدمات والاستهلاك المحلي.
وفي الوقت نفسه، كانت الصين تحول المسؤولية عن تنفيذ الإصلاح من جهاز التخطيط العتيق (لجنة التنمية الوطنية والإصلاح) إلى آلية فعّالة وأكثر استناداً إلى السوق وتشكل جزءاً أساسياً من بنية الحزب الشيوعي الصين (المجموعة الصغيرة الرائدة للإصلاحات الشاملة التعمق). وبإضافة الحملة غير المسبوقة التي يقودها شي ضد الفساد، يصبح من الواضح أن الصين لن تعود إلى الوراء ولن تنحرف عن الطريق إلى إعادة التوازن والتحول البنيوي. ولكن خطر الاضطرابات الدورية، مثل انحدار النمو الاقتصادي العالمي بشكل غير متوقع، يظل قائما. وهذا من شأنه أن يضع في مواجهة الصين تحدياً تكتيكياً مهما. فكيف تلتزم بمسار الإصلاح من دون أن تعاني من تباطؤ كبير في النمو في الأمد القريب؟
هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها الصين مثل هذا التحدي؛ فقد دفعت أزمة الركود العظيم في الفترة 2008-2009 الصين إلى حافة الركود. فمع انهيار التجارة العالمية وهبوط الطلب على الصادرات الصينية من نمو بنسبة 26% في منتصف عام 2008 إلى انكماش بنسبة 27% بحلول أوائل عام 2009، تحركت الحكومة بقوة لضخ نحو 4 تريليونات يوان صيني (586 بليون دولار أمريكي) إلى شرايين الاقتصاد. ورغم أن هذا التحرك مَكَّن النمو من التعافي بحلول نهاية العام 2009، فإنه ساهم أيضاً في خلق مشاكل جديدة، بما في ذلك الديون المفرطة، وتهديد السوق العقارية، وتصاعد المخاطر المالية التي تواجه الحكومات المحلية.
إن آخر ما تحتاج إليه الصين الآن هو المزيد من التحفيز المالي. والواقع أن التعطل الدوري اليوم يتضاءل بالمقارنة بما حدث في الفترة 2008-2009، وعلى النقيض من الاقتصادات المتقدمة المتهورة ماليا، أدركت الصين أن الاستدانة المفرطة تشكل تهديداً للنمو المستدام والتنمية.
علاوة على ذلك، وعلى عكس الاقتصادات المتقدمة الكبرى التي استنفذت أغلبها كل ذخيرتها من السياسة النقدية التقليدية بخفض أسعار الفائدة إلى الصفر، لا تزال الصين تتمتع بوفرة من الحوافز النقدية الاحتياطية في مواجهة الاضطرابات الدورية. ومن المنطقي في مثل هذه الظروف أن تتكئ الصين بشكل أكبر على السياسة النقدية وليس التوسع المالي.
ومع ذلك فإن القرار التكتيكي الذي اتخذه بنك الشعب الصيني لا يخلو من المخاطر المحتملة ــ خاصة وأنه يشجع منح المزيد من القروض في وقت حيث تحاول الصين فطم نفسها عن النمو الكثيف الديون. وسوف يكمن التحدي الرئيسي في تجنب تصاعد مخاطر الائتمان، والتي قد تعمل على تقويض عملية الإصلاح وإعادة التوازن.
منذ البداية، أدرك قادة الصين أن التفاعل بين التحول البنيوي ودورة العمل سوف يكون معقدا. وكما لاحظ رئيس الوزراء السابق ون جيا باو قبل ما يقرب من ثماني سنوات، فإن النمو الاقتصادي الصيني أصبح على نحو متزايد «غير مستقر، وغير متوازن، وغير منسق، وغير مستدام». وكلما أخرت الصين معالجة مشاكلها، كلما أصبحت الحلول أكثر استعصاء. إن شي وزملاءه عازمون على البقاء على المسار الصحيح إلى إعادة التوازن إلى الاقتصاد الصيني، مع الحفاظ على وعيهم التام بكل المخاطر الدورية في الأمد القريب. والواقع أن ضعف الصين في مواجهة مثل هذه المخاطر تمتد جذوره إلى نموذج النمو القديم، والذي سُمِح له بالبقاء لفترة أطول كثيراً مما ينبغي.
مع تخفيف القيود النقدية مؤخرا، تبدو السلطات الصينية عازمة على رسم خط في الرمال لمنع حدوث هبوط مفرط في النمو، وهو ما يشير إلى أنهم ينظرون إلى الاضطراب الدوري باعتباره يشكل تهديداً حقيقياً لأجندة الإصلاح البنيوي الأطول أمدا. وما دامت هذه المخاوف قائمة فبوسعنا أن نتوقع المزيد من التيسير النقدي.

■عضو هيئة التدريس في جامعة ييل، 

أوكرانيا تتخلى عن حيادها .. طريق "الناتو" أقرب من روسيا / هاني شادي



أقر البرلمان الاوكراني في الثالث والعشرين من الشهر الجاري بأغلبية ساحقة تعديلات تشريعية مهمة تتعلق بتخلي أوكرانيا عن مبدأ "الحياد" في السياسة الخارجية. وتتضمن هذه التعديلات ضرورة الانخراط في الفضاء الأوروبي سياسياً واقتصادياً وتشريعياً، تمهيداً لتحقيق حُلم انضمام أوكرانيا إلى "حلف شمال الأطلسي" و "الاتحاد الأوروبي". إن هذا التوجه "التشريعي" لكييف، والذي جاء بتوصية من الرئيس الأوكراني نفسه، برره البرلمان الأوكراني بما أسماه "السياسة العدوانية" لروسيا تجاه أوكرانيا وضـمّها شـبه جـزيرة القرم وتدخلها العسكري في المناطق الشرقية الجنوبية الأوكرانية.
إن "حُلم" انضمام أوكرانيا الى "حلف شمال الأطلسي" و "الاتحاد الأوروبي" يعود عملياً إلى مطلع الألفية الجديدة، عندما وصل أنصار "الثورة البرتقالية" إلى السلطة في كييف. فمن المعروف أن الرئيس الأوكراني الأسبق، فيكتور يوشينكو، كان مسكوناً بهذا الحُلم واتخذ محاولات عدة بهذا الشأن خصوصاً في 2008، مثله في ذلك مثل رئيسة الوزراء الأوكرانية الشهيرة يوليا تيموشينكو. كما أن الرئيس الأوكراني الحالي، بيوتر بوروشينكو، عندما تولى منصب وزير خارجية أوكرانيا في 2009، كان من أشد أنصار الانضمام إلى "الناتو" و "الاتحاد الأوروبي". ولعب الرئيس المخلوع فيكتور يانوكوفيتش على الحبلين الروسي والأوروبي "الأطلسي"، ولكنه لم يجرؤ على إعلان موقف محدد وواضح من انضمام بلاده إلى "الناتو"، إرضاء لموسكو التي كانت تحسبه ضمن حلفائها.
والملاحظ أن التكامل الاقتصادي مع أوروبا تدعمه نسبة كبيرة من الأوكرانيين، في حين لم يكن يحظى الانضمام إلى "الناتو" إلا بدعم أقلية المواطنين في أوكرانيا. ففي نهاية العام 2013، أوضح استطلاع للرأي أن متوسط نسبة المؤيدين للانضمام إلى الحلف بلغت نحو 20 ــ 25 في المئة بعموم أوكرانيا، في ظل تأييد أكثر من 80 في المئة في المناطق الغربية و5 في المئة فقط بالمناطق الشرقية والجنوبية للبلاد. لكن صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية في عددها الصادر 24 من كانون الأول الجاري تعتقد أن مستوى دعم انضمام اوكرانيا الى الحلف من قبل المجتمع الاوكراني قد تضاعف في الوقت الراهن ووصل إلى نحو 50 في المئة على أقل تقدير بسبب أحداث القرم وجنوب شرق أوكرانيا.
لا شك في أن قرار البرلمان الأوكراني سيمثل نوعاً من الضغط على روسيا، التي سارعت بالتهديد بالقطيعة التامة مع "الناتو" في حال وافق على ضم أوكرانيا، والتهديد كذلك برد مناسب على مثل تلك الخطوة. غير أن نائب وزير الدفاع الروسي، أناتولي انطونوف، الذي أطلق هذه التهديدات، لم يُفصح عن طبيعة الرد الروسي. ونعتقد أن التعديلات التشريعية الأوكرانية المذكورة لا تعني أن عضوية أوكرانيا في الحلف قد باتت وشيكة أو مضمونة، فالأمر يحتاج إلى تحقيق معايير ضرورية للحصول على تلك العضوية. وهذا سيحتاج إلى سنوات وسنوات، وسيتوقف على درجة حرارة العلاقات الروسية الأميركية والصراع الجيوسياسي بينهما مستقبلاً. ولا يتعيّن تجاهل حقيقة أن «الناتو» نفسه غير متعجّل في ضم أوكرانيا. فقد انتهت «قمة ويلز» الأطلسية في أيلول الماضي بنتائج متواضعة للغاية بالنسبة إلى الرئيس الأوكراني بيوتر بوروشينكو، الذي كان ينتظر اتخاذ القمة خطوة في اتجاه ضم بلاده إلى ما يُسمّى «برنامج الإعداد للعضوية في الحلف». ولكن هذا لم يتحقق بسبب الخلافات وعدم الإجماع داخل صفوف «حلف شمال الأطلسي» نفسه حول ضم أوكرانيا. ونظن أن هذه الخلافات لن تزول قريباً أو في المستقبل المنظور.
ويقاوم الروس بقوة محاولات أوكرانيا للالتحاق بركب "الأطلسي"، مثلما قاوموا من قبل محاولات جورجيا. فالكرملين يعلم جيدا أن مجرد انضمام اوكرانيا إلى "برنامج الإعداد للعضوية" سيعني فتح الأبواب أمامها مستقبلاً للعضوية الكاملة في "الناتو"، ومن ثم استخدام كييف كــ «مخفر أمامي» للحلف ضد روسيا. لقد وعد الحلف روسيا بعدم التوسع نحو حدودها، ولكن هذا لم يتحقق. فقد كان عدد أعضاء الحلف ست عشرة دولة فقط في 1994، أما اليوم فقد وصل العدد إلى ثمانية وعشرين بلدا. وباتت طائرات الحلف في دول البلطيق قادرة على الوصول إلى الحدود الروسية في دقائق معدودة. بعبارة أخرى، يمثل انضمام أوكرانيا إلى الحلف خطاً أحمر بالنسبة إلى روسيا. وبرغم تصريحات مسؤولي "الناتو" المتكررة بأن أبواب الحلف مفتوحة أمام أي دولة تتحقق فيها شروط العضوية، إلا أننا نظن أن الحلف لن يدعو أوكرانيا إلى صفوفه خلال السنوات المقبلة. ونعتقد أيضاً أن أكثر ما يمكن أن يحدث هو تعزيز التعاون مع أوكرانيا، من دون الحصول على العضوية الكاملة في "الأطلسي". ولكن تعزيز التعاون هذا، بحد ذاته، سيُقلق الكرملين كثيراً في المستقبل.
لقد نجحت موسكو في عرقلة انضمام جورجيا إلى "الناتو"، وحوّلتها عملياً إلى دولة لا تتحقق فيها شروط عضوية الحلف في أعقاب "حرب الأيام الخمسة" الروسية الجورجية في 2008. وباتت جورجيا غارقة في نزاع على أراضيها، خصوصاً بعد اعتراف موسكو بإقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية كدولتين مستقلتين. ونلاحظ أن الأمر نفسه يتكرر عملياً مع أوكرانيا بعد سحب القرم منها، واحتدام الصراع على مستقبل منطقة دونباس بإقليميها لوغانسك ودونيتسك. ووجود مثل هذه النزاعات لا يسمح بتحقيق رغبة أي دولة في الانضمام إلى صفوف "الأطلسي". ومن ثم يمكن القول إن معضلة القرم والنزاع المسلح في دونباس تمثلان أساساً قوياً لعدم التوصل الى توافق داخل "الناتو" بشأن عضوية أوكرانيا. ونظن أن الحلف نفسه يُدرك جيداً أن ضم أوكرانيا سيعني حرباً مباشرة مفتوحة، سواء باردة أو ساخنة، مع روسيا. ولذلك، نرى أن مستقبل انضمام أوكرانيا إلى "الأطلسي" يظل غامضاً، برغم إلغاء البرلمان الأوكراني وضعية "الحياد".

الغرب لا يفهم الروس / بيوتر رومانوف


موسكو تايمز – ترجمة قاسم مكي 

تستحضر العقوباتُ التي فرضها الغرب على روسيا إلى الأذهان عاملَ الشخصية القومية الذي أصابه النسيان منذ أمد مديد. فإذا عدنا القهقرى إلى أيام كبار أساتذة السياسة وتحديدا أوتو فون بيسمارك الألماني وكلمنص فون ميترنخ النمساوي (الأول، 1815-1898، رئيس وزراء ألمانيا وموحدها والثاني، 1773-1859، وزير خارجية ومستشار إمبراطورية النمسا- المترجم) لوجدنا أن الدبلوماسيين كانوا دائما ما يضعون ذلك العامل في بالهم. ولكن الساسة المعاصرين "يشتغلون" على مستوى أدنى من ذلك بكثير، وتحركاتهم على «رقعة الشطرنج الكبرى» أشد بدائية عند المقارنة بهم. إن ساسة اليوم، مثلهم مَثَل أسلافهم، يعتبرون المصالح الاقتصادية مهمة. ولكن لا توجد في نظرهم أية صلة بتاتا بين الاعتبارات المتعلقة بالشخصية القومية والعالم الحديث. وكنتيجة لذلك فإن أقدامهم تَزِلّ ويرتكبون أخطاء فادحة تزيد الوضع سوءا على سوئه. 

الباجي قائد السبسي رئيساً للجمهورية الثانية .. ماذا بعد؟ / توفيق المديني




أصبح الأستاذ الباجي قائد السبسي زعيم "حزب نداء تونس" أول رئيس منتخب بشكل حر وديمقراطي في تاريخ تونس، وأول رئيس لجمهوريتها الثانية، وذلك عقب فوزه في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد يوم 21 ديسمبر / كانون الأول الماضي، إذ حصل فيها حسب بيان "الهيئة العليا المستقلة للانتخابات" في تونس الصادر منذ يومين، على نسبة 55.68 في المئة من الأصوات، مقابل 44.322 في المئة للرئيس المنتهية ولايته، المنصف المرزوقي. وكان رئيس الهيئة، شفيق صرصار، أعلن خلال مؤتمر صحافي، أن السبسي "حصل على مليوناً و731 ألفاً و529 صوتاً، ، فيما حصل منافسه محمد المنصف المرزوقي مليوناً و378 ألفاً و513 صوتاً بنسبة، من إجمالي ثلاثة ملايين و189 ألفاً و672 تونسياً شاركوا في التصويت. وأفاد صرصار أن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 60.11 في المئة من إجمالي نحو 5.3 ملايين تونسي مسجلين على القوائم الرسمية للاقتراع، معتبراً أن الهيئة لم تسجل انتهاكات جسيمة قد تؤثر في نتائج الانتخابات. وأشار إلى أن "المناخ العام للعملية الانتخابية كان في جو من السلم والنزاهة ويعد نجاحاً آخر يُحسب للمسار الانتقالي في تونس".

وأقر منصف المرزوقي رسمياً بهزيمته، وهنأ منافسه السبسي، ويعني ذلك أن المرزوقي لن يتوجه بأية طعون لهيئة الانتخابات، ما يعني إقرار النتيجة المعلنة بشكل رسمي. وبذلك أصبح الباجي قائد السبسي أول رئيس منتخب ديموقراطياً، وأول رئيس للجمهورية الثانية في تونس وخامس رئيس في تاريخ تونس المستقلة بعد رئيسين في عهد الجمهورية الأولى (1957-2011) هما الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي ورئيسين في المرحلة الانتقالية (2011-2014) هما فؤاد المبزع ومنصف المرزوقي.

يشكل فوز الباجي قائد السبسي انتصاراً تاريخياً للمشروع الوطني الحداثوي الذي قاده الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة منذ تأسيسه الجمهورية التونسية الأولى عقب حصول تونس على استقلالها في عام 1956، حيث شيد بورقيبة الدولة المدنية الوحيدة في العالم العربي، فيما أخفقت الأيديولوجيات الشمولية الأخرى: الماركسية والقومية والإسلامية، فضلاً عن إقامة بورقيبة مشروعاً اجتماعياً تحررياً شعاره تحرير المرأة التونسية، ونشر التعليم الديموقراطي، ومحاربة الفقر، وتحقيق الضمان الصحي. 

من المعروف تاريخياً أن الدولة البورقيبية طغت على المجموع الاجتماعي باسم عقلانية مشروعها السياسي، حيث كان البرنامج الأساس للنخبة الحاكمة بعد الاستقلال يتكون من أهداف التحديث والعلمنة مع مبدأ لـ "الجمعنة" السياسية، إنه الكيان التونسي "القطري" المنفصل عن "الأمة" الإسلامية وعن الأمة العربية. وقدمت الدولة التونسية الفتية نفسها على أنها مجموعة من "مؤسسات رسالية" للتحديث، وضعت نصب عينيها، بصورة خاصة إعطاء الشعب التونسي ثلاثة أشياء مهمة: التعليم وحقوق المرأة ونشر أنماط جديدة من السلوك، وفرض نفسها بصفتها مرجعاً لتكريس الرأسمال الرمزي، وبالتالي فرض الرقابة على المجتمع.

وقاد هذا التطور المفرط لدولة الوصاية البورقيبية في الوقت عينه إلى غياب فضاء عام محدد تحديداً متميزاً، ومجهزاً بقواعده الخاصة وممثليه. ولما كانت دولة الوصاية هذه تشكل وحدة مع جهازها وبيروقراطيتها وغير مفصولة عن المجتمع، فقد عجزت عن أن تكون التعبير المباشر عن الكلية العينية، كلية المجتمع والشعب، لأن قوام هذه الدولة والسلطة المتمسكة بزمامها لم يكن القانون الذي لا يقوم إلا على قاعدة الحقوق. ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه الدولة خارجة عن المحكومين، وهذا التخارج بين السلطة والشعب، وجد التعبير عنه في مركب الدولة - الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم، الذي أنتج نسقا سياسياً مغلقاً، أفضى في النهاية، إلى تقلص الدولة في شكل عملية تحرر نسبي لها.

الرئيس الباجي قائد السبسي تمرد على نظام والده الروحي الحبيب بورقيبة، عندما انشق رمزياً عنه في نص استقالة شهير سنة 1970 في جريدة "لوموند" عندما كان سفيرا لتونس في باريس.. وفي المؤتمر الثامن للحزب الاشتراكي الدستوري المنعقد في مدينة المنستير عام 1971، حقق الجناح الذي كان ينادي بالليبرالية الاقتصادية والليبرالية السياسية في آن واحد، الأغلبية في المؤتمر، وتمثل هذا الجناح في أحمد المستيري والباهي الأدغم والباجي قائد السبسي، والحبيب بولعراس، فتدخل بورقيبة شخصياً، وألغى انتخابات المؤتمر، وحسم الصراع لمصلحة الجناح المتصلب ذي النزعة الفاشية، الذي كان يقوده محمد الصياح مدير الحزب سابقاً - وقاد ذلك إلى تصفية جناح المستيري- الباجي قائد السبسي المضروب على صعيد السلطة منذ مؤتمر 1971.


ومع ذلك فإن عدداً كبيراً من المؤرخين التونسيين يتجاهلون أن الباجي قائد السبسي كان قائد الجناح الديموقراطي داخل النظام البورقيبي عينه، والرجل الذي وضع كل امكاناته المالية على ذمة الحركة الديموقراطية الناشئة فأسس مجلة "ديمقراطية" الناطقة بالفرنسية، وكان قريباً من مجموعة "الرأي" ورابطة حقوق الانسان وحركة الديموقراطيين الاشتراكيين. ولم يعد الباجي قائد السبسي إلى الحكومة الا بعد اكثر من عشر سنوات وبعد اعتراف الزعيم بورقيبة بالتعددية الحزبية في 1981.

انطلاقاٌ من هذا الإرث البورقيبي، عمل الباجي قائد السبسي على تأسيس حزب جديد بعد أن سيطرت الترويكا الحاكمة سابقا بقيادة حركة النهضة الإسلامية على مقاليد السلطة في تونس عقب الانتخابات التي جرت في 23 أكتوبر 2011. ونجح الباجي قائد السبسي، الوزير السابق في عهد بورقيبة والرئيس الأوّل للبرلمان في عهد بن علي، وصاحب الكاريزما "البلدية" العتيقة (كابن برجوازية تونس العاصمة )، في أن يقدّم نفسه كـ"أمل للخلاص والتغيير" لجزء هامّ من المجتمع التونسي، عبر تجميعه في "حزب نداء تونس" في بداية سنة 2012، أطيافاً سياسية وفكرية عديدة: شتات الجزء الأهمّ من كوادر ورجال أعمال نظام بن علي وحزبه المنحلّ، "التجمّع الدستوري"، ممّن لم يختاروا الانضمام لـ "حزب النهضة الإسلامي"، وبقيّة الأحزاب "الدستوريّة"، ومن فئات الطبقة المتوسطة المتضررة من الثورة، ومن النقابيين واليساريين الليبراليين المتخوفين من مشروع حزب النهضة القاضي بـ "أخونة الدولة التونسية" والقضاء على مظاهر مدنيتها وعلمانيته، من خلال تمظهرات مسودّة مشروع النهضة للدستور، التي تضمّنت "الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع"، وبعث مجلس أعلى إسلامي. 

بفوز "حزب نداء تونس" في الانتخابات التشريعية، وفوز زعيمه الباجي قائد السبسي في الانتخابات الرئاسية، استطاع هذا الأخير المدعوم من قبل الأحزاب السياسية الوطنية الديمقراطية والليبرالية والعلمانية، أن ينجح في استمالة كوادر النظام السابق لـ "حزب نداء تونس"، ويواصل تمثيل مصالح برجوازيّة العاصمة والساحل، والاحتفاظ بدعم القاعدة الاجتماعية التقليديّة للحزب الحاكم منذ الاستقلال، وأن ينقذ تونس ودولتها المدنية، ومكاسبها الحداثية، ويخلصها من براثن مشروع الإخوان الرجعي الذي يقوده بالوكالة منصف المرزوقي المدعوم من قبل حركة النهضة والجماعات السلفية، و"رابطات حماية الثورة"، والذي يستهدف تهديم أسس الدولة المدنية الحداثية واستبدالها ببناء الدولة الإسلامية بالتدرج .إنه انتصار للبعد الديموقراطي الذي كان مفقوداً في النظام البورقيبي، وهو ما كان يتطلع إليه التونسيون، على اختلاف مشاربهم الفكرية والسياسية.

فالتونسيون الذين خرجوا إلى الشوارع واحتجوا على النظام السابق في أكثر من مدينة سواء في أحداث سليانة 1990 أو الحوض المنجمي في 2008 أو بنقردان في صيف 2010 أو بداية من 17 ديسمبر 2010 إلى 14 كانون الثاني / يناير 2011 كان هاجسهم الأساسي هو الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية، وليس تخريب الدولة ونسف مكاسبها. والحال هذه عرف زعيم "حزب نداء تونس" والرئيس المنتخب الباجي قائد السبسي كيف يستثمر الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها حركة النهضة، لا سيما ضعف الكفاءة في إدارة الحكم، والعجز عن تقديم أجوبة شافية على المطالب الاجتماعية، وتساهلها الكبير مع التيّارات السلفيّة التكفيرية والإرهابية، في النصف الأوّل من فترة حكمها، وكذلك تهميش النهضة لحليفيْها في "الترويكا" الحاكمة، حزبيْ "المؤتمر من أجل الجمهورية" و"التكتل من أجل العمل والحرّيات"، وصدمة زلزال اغتيال القيادي اليساري شكري بلعيد في شباط/فبراير 2013، وتعاظم خطر الإرهاب إثر اغتيال النائب القيادي بالجبهة الشعبيّة محمّد البراهمي في 25 تموز/يونيو 2013.

إضافة إلى أخطاء حركة النهضة، لعبت العوامل الإقليمية والدولية لمصلحة تزايد نفوذ "حزب نداء تونس"، ومنها: أولاً: الحرص الواضح للدول الغربيّة المؤثّرة، تحديدا الولايات المتحّدة وفرنسا وألمانيا، على أن تكون تونس "النموذج الديموقراطي" الناجح في المنطقة، وهو ما يفترض وجود توازن بين قوّتين سياسيتين كبيرتين تحت سقف شروط المنظومة الليبراليّة المعولمة. وثانياً: تداعيات تغيّر المشهد الإقليمي، وتحديدا سقوط الإخوان المسلمين في مصر على تراجع حركة النهضة، والصعوبات التي واجهها مؤخّرا حليفاها في أنقرة والدوحة .وثالثاً: أجواء الخوف للشعب التونسي من الإرهاب المستوطن في تونس، والحنين إلى "الأمن والاستقرار الضروريّين لعودة الحركة الاقتصاديّة"، وخيبة أمل أغلب التونسيين من حكم "النهضة". 

فنجح الباجي قائد السبسي في إقناع الكثيرين من التونسيين بخطابه عن "استعادة هيبة الدولة"، و"المحافظة على الإرث الحداثي البورقيبي والنمط المجتمعي التونسي". كما استفاد في ذلك من الماكينة الحزبيّة والانتخابيّة القويّة التي ورثها عن حزب بن علي المنحلّ. ونجح زعيم "حزب نداء تونس" الباجي قائد السبسي خلال الحملة الانتخابية في كسب تأييد قطاعات واسعة من الرأي العام، حيث نحت لنفسه صورة "رجل الدولة القوي" الذي يدافع عن مكاسب التونسيين الاجتماعية والسياسية ضد أجندة حركة النهضة التي يرأسها راشد الغنوشي، والتي تسعى لنسف تلك المكاسب والعودة بتونس إلى القرون الوسطى من خلال أسلمة الدولة والمجتمع. وفي الوقت الذي انتهج المرزوقي خطاباً يحرّض على العنف والكراهية وإثارة النعرات الجهوية والقبلية، انتهج قائد السبسي خطاباً وطنياً يدعو إلى الوحدة الوطنية بين جميع التونسيين، مشدداً على "الوفاق الوطني" من أجل إنقاد تونس من الأزمة التي تعصف بها منذ حوالى أربع سنوات.

ومع فوز قائد السبسي يكون التونسيون قد انتصروا للمشروع الوطني الحداثوي، الذي ناضلت من أجله أجيال من المصلحين مند منتصف القرن التاسع عشر من أجل بناء دولة مدنية ذات مؤسسات سيادية قوية تتمتع باستقلالية قرارها الوطني، وأيضاً من أجل مجتمع تعددي ديموقراطي يضمن الحق في الاختلاف والتعايش السلمي، وبذلك أجهضوا الأمل الأخير لمشروع الإخوان الذي يقوده بالوكالة منصف المرزوقي في تحالف انتهازي مع الإسلامويين المدعومين من قبل المحور التركي القطري. وكان من نتائج هذا المشروع زيادة "الشرخ الجهوي" أو المناطقي الذي بدا واضحاً في نتائج الانتخابات. إذ صوّت الشمال والساحل بكثافة لصالح زعيم "حزب نداء تونس"، وولايات الجنوب لصالح منصف المرزوقي وكيل النهضة، فيما كان حجم التصويت لهما في ولايات الوسط متقاربا.

والحال هذه، تكون الصورة بالنسبة إلى الناخب التونسي، إمّا مع النهضة أو ضدّها، وهو ما تجسّد فعلياً، من خلال مواقف العديد من الكتل والتوجهات السياسية والمراقبين الذين اعتبروا أن المرزوقي هو مرشح النهضة وليس غيره، لذلك انقسم الناخبون إلى قسمين، لكلّ منهما نموذج للدولة وللمجتمع، من خلال مقاربتين، الأولى تتأسس على المقولات المرتبطة أكثر بالهوية، والثانية المرتبطة أكثر بالرؤية الوضعية.

مفردات عربية



هيبة الدولة تعني قدرة الحكومة على اعتقال وتعذيب المخالفين والزام البقية بالصمت كرها. ومن ميزات هيبة الدولة استخدام القضاء لادانة المخالفين او الذين يفكرون بان يكونوا كذلك. كما ان اجهزة الجيش والشرطة والامن كلها مجرد اداة رخيصة لارهاب المواطنين.
هيبة الدولة في المصطلح العربي هي اعمق احتقار للشعب الذي يعتقد جزء منه ان هيبة الدولة تعني الامن.
والدليل انظر الى الوطن العربي كافة بلا استثناء حيث زجت الحكومات بالمواطنين والمعارضين الى السجن. انظر الى الدول العربية وسترى الهيبة في السجون

الجمعة، 2 يناير 2015

الخيانة المهنية الاعلامية



تبدو الخيانة المهنية الاعلامية هي ما يمكن نراه في كل وكالات الاخبار والمحطات الفضائية.
فلا رويترز او وكالة الصحافة الفرنسبة ولا غيرهم من محطات مثل بي بي سي ولا القنوات العربية كافة يملكون الحد الادني من المهنية.
بات ما ترتكبه داعش من جرائم يتم نقلا عن مسؤولين عراقيين مجرمين اصلا ولصوص بالفطرة. وبات ما يكتب عن ما يحدث في شمال العراق مستندا لمجرمين ولصوص اكراد ومن الايزيدية.
ليس المطلوب العدالة في تناول الاخبار في هذا الزمن الذي لا يوجد فيه اي عدالة، بل عدم الاستخفاف في عقولنا في اقل ما يطلب لنرى اسوء مهنية يعرفها التاريخ.
لا نريد الاشارة الى قناة العربية ، او الميادين فهم ابعد الناس عن المهنية ورغم اختلافهما لكنهما يلتقيان على دعم الولايات المتحدة الامريكية وايران وجرائهما في العراق دعما للشيعة.. والمسألة تتعلق بالموجة الامريكية الداعمة للشيعة والتوسع الايراني .
وبالتأكيد ليس الحل هو ارسال صحفي القنوات من جديد للتعلم والتدريب، بل باغلاق الهاتف عندما يكون المتصل من السفارة الامريكية.
بعض القنوات تحتاج لان تغلق انفسها فهي لا في العير ولا في النفير ولم تكون لها حتى هوية .
ما يثير الضحك رغم كوم الحزن هذا، هو القنوات الشيعية التي ترينا كم عقيدة هؤلاء مبنية على القتل والدماء والكذب والخيانة والاسفاف. وما يحصل هو تأكيد انه لا يوجد عالم شيعي له رصيد من المعرفة.
هذا التحالف الامبريالي الامريكي والغربي والشيعي يؤكد ما نحن مقبلون عليه .

الخميس، 1 يناير 2015

ركائز الشيعة ثلاث الكذب وكره الرسول وخيانة المسلمين والعرب



تحتوي العقيدة الشيعية على ثلاث ركائز هي الكذب وكره الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وكره صحابته وال بيته الحقيقيين. اما الثالث فهو خيانة المسلمين والعرب والتحالف مع كل عدو لهم متى وجدوا لذلك سبيلا. ومن يتابع كل تحركات الشيعة ونشاطهم يجدهم يعتمدون على هذه الركائز.
 ان الشيعي المستباح عرضه بسبب المتعة الجنسية الواجبة عندهم يحاول دوما تشويه الاخر ليشاركه العار. وغالبا ما يستخدم الكذب لتحقيق ذلك. والمهم في هذا الحديث هو التذكير بان اي تحالف مع الشيعة هو عداء للاسلام والعرب والانسانية. اذ لم يرى العالم عقيدة تقوم على الخيانة والغدر والكذب والتحالف مع العدو الا في الشيعة. ولهذا لا مجال للتعامل معهم الا بعد ان يتحرروا من شيعيتهم الحقيرة. كان الحسن العسكري (232-260 هجرية) وهو الامام الاخير كما يدعون لهذا الفئة القذرة يعطي المال الى محمد بن نصير مؤسس النصيرية ليرد على خصومه حتى بالقتل. ومعنى ذلك انه كان يحرض على القتل والفجور والكذب.

 وبالتاكيد ان الخليفة علي وابناءه ومن كان مثلهم ليس له علاقة بالشيعة وان اعتبروه انه امامهم. اذ لا يمكن للشرفاء ان يكونوا شيعة. حب الشيعة للخليفة علي وابناءه وسيلة لا اكثر لنشر الكذب وتحقيق ما تريده المجوسية الفارسية واليهود معا . تحالف الشيعة مع الولايات المتحدة الامريكية وايران في العراق وسوريا واليمن ولبنان يوضح طبيعتهم ودورهم كخدم للصليبية السياسية مرة والمجوس واليهود مرة اخرى. المتابع

الأثر العالمي لتدني أسعار النفط / دانييل يرجين



وول ستريت جورنال – ترجمة قاسم مكي 

يعكس قرار أعضاء منظمة أوبك في 27 نوفمبر الماضي بعدم خفض الإنتاج تحولا عميقا في سوق النفط العالمي. فالطلب على النفط من الصين وبلدان الاقتصادات الصاعدة الأخرى لم يعد العامل المهيمن (في هذا السوق) بل ما صار حاسما هو ارتفاع إنتاج النفط بالولايات المتحدة معززا بإمدادات إضافية جديدة من كندا.

لقد بلغت هذه الزيادة في الإنتاج مستوى لم يتوقعه معظم مصدري النفط. وفي الغالب، سيستمر اضطراب الأسعار وترديها الذي اتخذ شكل تشنجات سعرية مؤخرا. ومنذ عام 2008 (حين كانت الخشية من بلوغ ذروة النفط التي يفترض أن يتدنى الإنتاج العالمي بعدها هي الفكرة السائدة في الساحة) ارتفع إنتاج النفط الأمريكي بنسبة 80% إلى 9 ملايين برميل يوميا. وكانت الزيادة في الإنتاج الأمريكي لوحدها أعظم من إنتاج أي بلد عضو في أوبك باستثناء السعودية.

لقد سبق للعالم أن شهد في الماضي زيادات مفاجئة في الإمدادات. ففي أوائل ثلاثينات القرن العشرين المنصرم دفع فيضان من النفط القادم من إيست تكساس بسعر النفط إلى أسفل حيث بلغ 10 سنتات للبرميل. وحينها اضطرت محطات الوقود التي كانت تخشى من بوار وقودها إلى إغراء الزبائن بتقديم دجاج مجاني كحافز لشرائه. وفي أواخر الخمسينات أدى التزايد السريع في إنتاج النفط الشرق أوسطي إلى خفض للأسعار أطلق بدوره الجهود التي أفضت إلى تشكيل أوبك. وفي النصف الأول من أعوام الثمانينات تسبب تصاعد الإنتاج النفطي ببحر الشمال ونورث سلوب في ألاسكا والمكسيك في تدهور الأسعار إلى 10 دولارات للبرميل. وكانت الأزمة التي ترتبت عن ذلك التدني أعظم بالنسبة لأوبك من أزمة اليوم. وخلال تلك الأعوام نفسها هبط الطلب العالمي بأكثر من مليوني برميل في اليوم بفضل الانكماش الشديد وتزايد جهود الاقتصاد في استخدام الطاقة والتحول إلى الفحم من النفط لتوليد الكهرباء. أما هذه المرة فإن الطلب العالمي لا يزال ينمو ولكن بمعدل ضعيف. وفي الأعوام الثلاثة الأخيرة حامت أسعار النفط حول 100 دولار للبرميل حيث امتصت انقطاعات الإنتاج في ليبيا وجنوب السودان وسواهما، علاوة على أثر العقوبات على الصادرات الإيرانية، الزيادات التي شهدها إنتاج الولايات المتحدة وكندا. ولكن النمو البطيء للاقتصاد العالمي، والذي صار واضحا قبل شهور قليلة، رافقه طلب ضعيف على النفط. وصادف ذلك قيام ليبيا فجأة برفع إنتاجها إلى أربعة أضعاف أو ما يقرب من مليون برميل في اليوم. وكانت النتيجة ضعف الأسعار في سبتمبر ثم تدهورها.
إن قرار أوبك الأخير يعكس قناعة من جانب أعضائها «الذين يملكون»، وهم بلدان الخليج العربية الحائزة على احتياطيات مالية كبيرة جدا، بأن خفض الإنتاج سيعني خسارة حصصهم في السوق، خصوصا لصالح إيران والعراق. وبدلا عن ذلك تبنت هذه البلدان استراتيجية ترك الأمور للسوق في الوقت الحاضر. إن أوبك تنتظر، حسبما يقول وزير النفط السعودي، حتى «يستقر سوق النفط من تلقاء نفسه في النهاية» ومن الواضح الآن أن الإنتاج الأمريكي الجديد أكثر مرونة مما هو متوقع. فهنالك رأي واسع الانتشار يرى أن استخراج النفط «المحصور» من الصخر النفطي عند سعر 85 إلى 90 دولارًا للبرميل غير اقتصادي. ولكن تحليلا جديدا أجرته شركة (آي إتش إس) ارتكازا على بيانات بئر النفط «الواحدة» وجد أن 80% من الإنتاج الجديد للنفط المحصور في عام 2015 سيكون اقتصاديا عند سعر ما بين 50 و69 دولارًا للبرميل. وستواصل الشركات تحسين تقنيتها وخفض تكاليف الإنتاج. صحيح مع وجود الأسعار الآن قرب 70 دولارًا للبرميل أو أدنى من ذلك فإن الشركات الآن تدقق في خططها الاستثمارية وتتساءل متى وبأي مقدار يلزمها خفض أو تأجيل الإنتاج. ولكن تأثير هذه القرارات على الإمدادات سيستغرق بعض الوقت. وسيستمر ارتفاع إنتاج النفط الأمريكي في عام 2015. إن من سيواجهون مشكلة كبيرة من أعضاء أوبك هم أولئك الذين «لا يملكون». أي من لديهم احتياطيات مالية صغيرة وموازنات حكومية كبيرة. ولم يضج بلد بالمطالبة بخفض إنتاج أوبك مثل ضجيج فنزويلا. فهذا البلد الذي كان يوما ما ذا سطوة نفطية يعتمد على إيرادات النفط في 65% من الإنفاق الحكومي. ولكن إنتاج فنزويلا هبط بحوالي الثلث منذ عام 2000. إن اقتصاد فنزويلا واقع أصلا في جب الفوضى نظرًا لفداحة سوء إدارته. هذا فيما يعاني نظامها السياسي من أزمة وتتفاقم فيها الاضطرابات. وستكون فنزويلا الخاسر رقم واحد إذا تم بناء خط الأنابيب (كيستون إكس إل) حيث سيحل الإنتاج من الرمال النفطية الكندية محل النفط الفنزويلي الثقيل في أكبر سوق وحيد له وهو مصافي ساحل الخليج الأمريكية. كما علا صوت إيران أيضا في المطالبة بخفض الإنتاج. لقد شكل ارتفاع الأسعار في وقت مبكر العام الماضي «وسادة» استندت عليها موازنتها بعض الشيء. ولكن الحكومة ليست لديها مهلة كافية حتى بداية سنتها المالية القادمة. وتعتمد إيران على النفط في تمويل نصف موازنتها. وهي تعاني سلفا من العقوبات التي قلصت صادراتها النفطية بحوالي النصف تقريبا. وسيطيل انخفاض الأسعار من أمد انكماش اقتصادها.
ومؤخرا قال الرئيس فلاديمير بوتين: إن روسيا، والتي هي أكبر منتج للنفط في العالم وليست عضوا في أوبك»، تعدُ نفسها لانخفاض أسعار النفط ولو إلى مستويات «كارثية». إن النفط يغطي 40% من الموازنة الروسية. ولكن بوتين كدَس احتياطي عملات أجنبية تصل قيمته إلى مئات قليلة من بلايين الدولارات لأسباب منها التعامل مع أي انهيار في أسعار النفط. ورغما عن ذلك فإن هبوط سعر الروبل سيعني للاقتصاد الروسي الذي يعتمد بشدة على واردات الغذاء والسلع الاستهلاكية ارتفاعا في أسعار الواردات وتقليصا فعليا لدخول المستهلكين. وسيعني ذلك، إذا أضفنا إليه أثر العقوبات بسبب الأزمة الأوكرانية، أن روسيا تتجه نحو انكماش اقتصادي. وربما أن أكبر أثر لانخفاض أسعار النفط على إنتاجه في المستقبل لن يكون في أمريكا الشمالية حسبما يتوقع العديد من الناس ولكن في باقي العالم. وحتى قبل انهيار الأسعار أبدت كبرى شركات النفط والغاز الطبيعي قلقا من التزايد المستمر لتكاليف تطوير الإمدادات الجديدة واستجابت لنداءات المستثمرين الداعية إلى «الانضباط في الإنفاق الرأسمالي». وسيحوِل هذا التدني في الأسعار ذلك القلق إلى هاجس ووسواس. وستكون النتيجة تباطؤا وخفضا في حجم الاستثمارات الكبرى الجديدة حول العالم. والخاسر من ذلك سيكون تلك البلدان التي تحاول مغازلة الاستثمار للدخول في مشروعات جديدة للنفط والغاز. لقد بدأنا نشهد تقلصا تدريجيا في عدد الشركات التي تتقدم بعروضها لاستغلال الفرص الجديدة في بلدان بإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وستكون مثل هذه العروض المقدمة أدنى قيمة ربما بكثير مما تتوقع الحكومات. لقد ولت تلك الأيام حين كان في مقدور هذه البلدان الإصرار على شروط قاسية جدا فيما يخص الضرائب والإتاوات والمتطلبات الأخرى التي ترفع تكاليف الإنتاج وتتسبب في تأخيره. ولا يزال الوقت بعيدا لبلوغ نهاية هذه الدراما. وإذا ظلت الأسعار قريبة من مستوياتها الحالية فمن المرجح أن يجتمع أعضاء أوبك مرة أخرى لإعادة تقييم السوق خصوصا مع تلاشي الطلب القوي في الشتاء عند اقتراب الربيع. ولكن إذا انتعش نمو اقتصاد العالم أو حدثت انقطاعات جديدة في الإنتاج أو وقعت أزمات جيوسياسية جديدة في الشرق الأوسط أو شمال إفريقيا أو سواهما فقد يرفع ذلك الأسعار مرة أخرى.

الكاتب نائب رئيس شركة إي أتش إس ومؤلف كتاب «المسعى: الطاقة والأمن وإعادة تشكيل العالم الحديث» (بنجوين – 2012).