‏إظهار الرسائل ذات التسميات سليم عزوز، مصر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سليم عزوز، مصر. إظهار كافة الرسائل

السبت، 12 أبريل 2014

فضيحة الانقلاب في قضية ‘خلية الماريوت’!/ سليم عزو


يخرج الانقلابيون من حفرة، فيهووا في ‘دحديرة’، ويخرجون من فضيحة إلى فضيحة، حتى صارت الفضائح قدراً ومكتوباً على الجبين، وقديماً قال حكيم زمانه: ‘ المكتوب على الجبين حتماً ستراه العين’!
يوم الخميس الماضي، نظرت محكمة الجنايات، قضية صحافيي قناة ‘الجزيرة’، الذين تم إلقاء القبض عليهم، من فندق الماريوت بالقاهرة، ومن ثم أطلق إعلام الثورة المضادة على المقبوض عليهم ‘خلية الماريوت’، كما لو كان الماريوت يقع في جبال تورا بورا.
تعلمون أنه على الرغم من وجود خواجة، ويبدو لي أن والده الاسترالي قس، إلا أن الاتهام الذي تم توجيهه للخلية وفي القلب منها هذا الخواجة، هو أنها خلية اخوانية، تعمل على قلب نظام الحكم بالقوة، إلى غير هذا من اتهامات تكفي لأن يقدم ثلاثتهم لحبال المشانق بدون محاكمة.

الأحد، 9 فبراير 2014

ويسألونك عن المرشد الجديد.. قل هو بيتر! / سليم عزوز


أخيراً، تمكنت بحول الله من الوقوف على اسم المرشد العام الجديد لجماعة الإخوان المسلمين، بعد القبض على المرشد الدكتور محمد بديع، صاحب مقولة ‘سلميتنا أقوى من الرصاص’، وكان مثلي على يقين، من أن جماعة كجماعة الإخوان، لا يمكن أن يظل موقع المرشد العام فيها شاغراً. فقد اكتشفنا أن المرشد هو ‘بيتر غريست’، الزعيم الروحي لطاقم قناة ‘الجزيرة’ الانجليزية بالقاهرة!
‘بيتر’ نجل الحاج ‘غريست’ تم إلقاء القبض عليه في القاهرة مؤخراً، وتم تقديم الأجهزة الأمنية التي تمكنت من أداء المهمة بنجاح، على أنها أتت بالذئب من ذيله، بالرغم من أن هذا الذئب كان مختبئاً في أحد الفنادق الكبرى. وظلت برامج ‘التوك شو’ ليلة كاملة تحتفي بهذا الانجاز الأمني العملاق، وفشلت محاولات قناة ‘الجزيرة’ في وقت لاحق نفي التهمة، عندما استدعت والد ‘بيتر’، الذي قال إن نجله كان يؤدي عمله، وبدا شكلاً كما لو كان قساً من القساوسة الغربيين، فلم يشفع هذا الظهور، والتأكيد على أن ‘غريست’ خواجة أباً عن جد، في إدخال الغش والتدليس على الرأي العام!
الذي يؤكد أن رسالة الحاج ‘غريست’ لم تنجح في تبرئة نجله ‘بيتر’، أن النيابة العامة بعد واقعة ظهور ‘والد المتهم’ أصدرت بياناً تاريخياً، أكدت فيه على المعاني ذاتها، التي ساقتها الأجهزة الأمنية، فالخلية الاخوانية، التي جعلت من أحد فنادق القاهرة وكراً له اعترفت بالانتماء إلى جماعة إرهابية، ولم يعد الأمر يلتبس عليها الآن، فبمجرد ذكر كلمة ‘إرهابية’ تتجه أنظارنا نحو المقطم، حيث المقر العام لجماعة الإخوان المسلمين!
الاعتراف سيد الأدلة، والمتهمون اعترفوا بالانتماء لهذه الجماعة وأن مهمة المرشد العام الجديد ‘بيتر غريست’ كانت تتلخص في قيامه بحذف وإضافة للمواد المكتوبة والمصورة، التي كان يتم تداولها.. يا له من قاتل محترف، يقتل الكلمات!
وهذا المجرم ‘العتويل’، لم يكتف بما سبق، ولكنه كان يتولى سداد المستحقات المالية نيابة عن أعضاء التنظيم، الذي كان ينفق يومياً مبالغ طائلة!
وعندما قرأت كلمة ‘طائلة’، في عريضة الاتهام، وجدتني على يقين من صحة الاتهام، فأخونا في الإسلام ‘بيتر’، لم يكتف بإنفاق الأموال وفقط، ولكنه حرص على أن يكون ما ينفقه مبالغ ‘طائلة’، وهذا مما هدد الأمن والسلم الدوليين.. ‘طائلة’ يا ‘بيتر’؟!

عابرة للقارات

من ‘روائع الاتهامات’ أن الخلية الإخوانية النائمة في أحد فنادق القاهرة المطلة على النيل، والتي يحدها من اليمين كوبري 15 مايو، ومن الشمال السفارة التونسية، تبين أن بحوزتها أسلحة مضادة للطيران، وصواريخ عابرة للقارات، تتمثل في أجهزة بث، وأجهزة لاسلكية، وهواتف نقالة، وقد سميت نقالة لأنه تم نقلها عبر الإبل من صحراء تورا بورا، وأن الخلية استخدمت هذه الأسلحة الفتاكة، في نشر أخبار كاذبة من شأنها تكدير الرأي العام.
وكان لمثلي أن يغفر كل هذه الأفعال الدنيئة، لولا أنه تبين أن الخلية الاخوانية، هي المسؤولة عن تكدير الرأي العام، وأنا من كنت اسأل قبل القبض على عناصر الخلية، لماذا استيقظ من النوم صباح كل يوم وأنا ‘متكدر’، وقد صرت الآن لست متكدراً البتة، بعد أو وضعت الأجهزة الأمنية يدها على الخلية المسؤولة عن توريد مادة ‘التكدير’ في الطعام.
كل الصحافيين الذين تم القبض عليهم في زمن الانقلاب العسكري بمصر، تم توجيه تهمة ترويج أخبار كاذبة لهم، دون إحاطتنا علماً بهذه الأخبار وصحتها. وساع مهمته صناعة الشاي والقهوة في احد المواقع الالكترونية، تم إلقاء القبض عليه عندما تمت مداهمة الموقع، وكانت التهمة الموجه له: نشر أخبار كاذبة. وعلى أيامنا كانت الأخبار الكاذبة يتم دحضها بالأخبار الصحيحة، لكن في ظل الانقلاب فالأخبار الكاذبة لا تذكر على سبيل الحصر، فهي فقط تعد دليل إدانة يؤخذ بسببها الصحافي من الدار إلى النار، وربما تكمن مشكلة ساعي موقع ‘الإسلام اليوم’ في أنه لم يتدخل لمنع الصحافيين من نشر الأخبار الكاذبة، وبدلاً من أن يضع الشاي الساخن أمامهم، يضعه فوق رؤوسهم!
يا الل،ه يبدو أنني بالفعل بحاجة الى قدح من الشاي الصعيدي المعتبر، وقد حالت سلطات الانقلاب دون ذلك، لكي أتعذب وأنا اشرب شاياً كالشاي. والسيدة وزيرة الإعلام قالت مبكراً أن من يظهر على قناة ‘الجزيرة’، ليس مرحباً به في مصر، باعتبار ان مصر هي عزبة السيد الوالد!
على ذكر الأخبار الكاذبة، ففي الأسبوع الماضي، تم إحراق عدد صحيفة ‘الوطن’ الموالية للانقلاب، لأن المانشيت الرئيس للعدد كان عن ثروة عبد الفتاح السيسي التي قدرها بـ 30 مليون جنيه، استناداً إلى ما قالت الصحيفة انه مصادر عائلية، وهو نوع جديد من المصادر، على من يدرسون مادة الصحافة في الجامعات أن يدخلوه ضمن المنهج الدراسي المقرر.

اختراع الرقم

في تقديري أن قيمة الثروة هي من تأليف القائم على النشر، ربما لأنه نظر الى حاله فاعتبر أن 30 مليون جنيه تدخل في باب ‘الفكة’، ولم ينظر لحال عموم المصريين الذين يسألون الله ثمن ‘النشوق’، فقرر مجاملة السيسي باختراع هذا الرقم، قبل أن يقف على انه كانت كالتي قتلت صاحبها بحجر وهي تبعد ذبابة عن وجهه.
لقد أذيع أن صاحب الصحيفة هو صاحب قرار المصادرة، والذي قال إن هيئة التحرير هي التي قامت بذلك عندما تأكدت أن المعلومة ليست صحيحة.. حسناً وما هي المعلومة الصحيحة لا سيما وأنه السيسي وباعتباره مرشحاً لرئاسة الجمهورية فهو مطالب بإعلان إقرار الذمة المالية له، ولأجل هذا تراجعت أنا عن الترشح؟!
عندما يقال إنه تم العثور على أجهزة لاسلكية مع متهم فلا تندهش، فكثيراً ما نشر أنه تم العثور على ‘لاب توب’ في حوزة متهم، أو أنهم في لحظة مداهمة منزله عثروا على هاتف جوال من ماركة ‘أيفون’، وكأنه يستخدم في التجسس على مقر القيادة المشتركة لقيادة الجيوش في الجبال، إبان موقعة ‘ثعلب الصحراء’.
كان يمكن لـ ‘بيتر’ أن يشعر بالغبن، إن لم تكن عملية القبض عليه تمت بالصوت والصورة، فليس هو أقل من المرشد الذي سبقه، وقد ظل التلفزيون الرسمي والقنوات الخاصة تبث ليوم كامل عملية القبض عليه، كما لو كانوا ألقوا القبض على أيمن الظواهري، ولإثبات القدرة الأمنية الخارقة، التي تعلم أن يُخبئ القرد ابنه!
مع أن المسألة لم يكن فيها انجاز أمني يذكر، فالإخوان ليسوا أهل كر وفر، وهم مثار سخرية من الجماعات الدينية الأخرى لهذا الفشل، فلم تكن لديهم خطط للهرب، ولهذا كان الهروب في شقق مملوكة لإخوان أيضاً، وعندما ذهبوا لإلقاء القبض على أحد البرلمانيين الإخوان، في شقته بمدينة نصر وجدوا المرشد، لكن المرشد ‘بيتر غريست’ كان أكثر ذكاء عندما اختبأ في أحد الفنادق، ولهذا لم يتمكنوا من إلقاء القبض عليه بنفس سرعة القبض على زملائه في التنظيم.
الأجهزة الأمنية كانت تسعد في كل مرة تلقي القبض على اخواني هارب، فرحة الأبله ليلة دخلته، لنسهر مع برامج ‘التوك شو’، سهرة صباحي على أنغام ‘النهاردة فرحي يا جدعان’.
في حين، أن تنظيمات الكر والفر، جعلت الأجهزة الأمنية في حرج بين، فوزير الداخلية ظل يعلن أنه يعلم ان يختبأ عاصم عبد الماجد القيادي بالجماعة الإسلامية، وظل يبشرنا بأنه سيقع في يد قوات الأمن بعد ساعات، ثم بعد ساعة، ولم تأت الساعة، فقد ظهر عبد الماجد في الدوحة، وجن القوم، وطار صوابهم، وذهبوا يطلبون من الانتربول القبض عليه، مع أن هذا الطلب يكون بعد صدور حكم قضائي واجب النفاذ، لكن إصرارهم على الخطأ دفع الانتربول ليقر بعدم شرعية السلطة الحاكمة في مصر، وبالتالي ليس لها أن تخاطبه من الأساس، فبُهت الذي طلب.

حرمة البيوت.. وحرمة الأعراض

عندما تم القبض على المرشد العام تم تقديمه بالصوت والصورة، وعندما داهموا منزل نائب المرشد العام للجماعة خيرت الشاطر كانت الكاميرا معهم وهم يظهرون أنفسهم للرأي العام العالمي على أن عصابة هي التي استولت على الحكم في مصر، فداست على كل المحظور دستوراً وقانوناً بثقل البيادة، فلم تراعي حرمة البيوت، أو حرمة الأعراض!
لكن كان واضحاً أن سلطة الانقلاب تريد أن تفزع الناس، فلم يفزعوا، وكانت مداهمة الاستوديوهات بالصوت والصورة، وفي إطار سياسة الصدمة والرعب تم القاء القبض على الضيوف أيضاً، وكان هذا كاشفاً عن أن القمع صار هو أساس الحكم!
الانقلاب أغلق فضائيات، لم يكن بان موقفها، أخذاً بالأحوط، واللافت أنه في اللحظة التي تم فيها اقتحام مكتب قناة ‘الجزيرة’ بالقاهرة كان اثنان من المنحازين للانقلاب وضد الإخوان على الهواء مباشرة مع نوران سلام، هما حسن نافعة وعبد الخالق فاروق، ولم ير ثلاثتهم في هذا الفعل ما يستحق النقد أو الاستهجان، وإنما استمروا يهاجمون حكم الإخوان، الذي لم يروع صحافياً، ولم يداهم فضائية، ولم يغلق محطة تلفزيونية، رغم التجاوز، وإساءة استعمال حرية الرأي!
المدهش، أن الانقلاب الذي أغلق كل هذه الفضائيات في ليلة واحدة، لم تصدر في عهده سوى فضائية واحدة تليق به، هي ‘الفلول’، لأنه انقلاب استهدف ان ينتصر لهؤلاء الفلول. و’الفلول’ تملكها رمز الانقلاب الأصيل سما المصري، ولعل سؤالاً يطرح نفسه: كيف منحوا هذه الفضائية رخصة بالبث.. ولعل الإجابة عليها بسؤال آخر: ولماذا لم يمنحوا هذه القناة وصاحبتها رخصة، ونحن نشاهد أنه ما لم يذكر اسم عبد الفتاح السيسي في محفل حتى يكون الرقص هو اللغة المعتمدة لإثبات التأييد الشعبي الجارف.

فنانات الزمن الناصري وعهد السيسي

لا أدعي أنني شاهدت قناة ‘الفلول’، لكني أتابع ما ينشر عنها، وهو يؤكد أنها تمثل الابتذال منقطع النظير، فليس هناك تميز بين المحظور على الفضائيات والمناسب داخل علب الليل عندما تجد الراقصة ميداناً لمزاولة النشاط بعد حصولها على ترخيص بمزاولة المهنة.
سما المصري تربطها علاقات بدرجة أو بأخرى مع أهل الحكم الجدد، وكنا نلوم على أسماء بعينها في حكم عبد الناصر أنها كانت على علاقة بفنانات، لم تكن من بينهم راقصة واحدة، فقد كنا مطربات، لكن هناك انهيارا حتى في قيم العلاقات من هذا النوع، ربما استلهاما لفكرة فيلم ‘الراقصة والسياسي’!
فنانات عصر عبد الناصر لم يكن يحكمن، وأقصى ما سمعناه أن واحدة منهن استغلت علاقتها بالقائد العام للقوات المسلحة، لتستولي على فيلا وزير الأوقاف لأنها أعجبتها ومات الرجل بعدها كمداً!
لكن راقصة عهد الانقلاب، تمارس دوراً سياسياً يتمثل في التهجم على خصوم الحكام الجدد.. الدنيا تغيرت حتماً، وكان طبيعياً أن تتغير سياسات الاستخدام!
علي ذكر عصر خالد الذكر جمال عبد الناصر، فقد تم إلقاء القبض على الزميلة الراحلة نبيلة الأسيوطي، بتهمة كونها من الإخوان المسلمين في اعتقالات سنة 1965، وعبثاً حاول أهلها أن يؤكدوا أن نبيلة لا يمكن أن تكون عضواً في الجماعة ليس لأنها سافرة، ولكن لأنها مسيحية، وربما لهذا لم يبدد والد ‘بيتر’ وقته في أن نجله لا يمكن أبداً أن يكون عضواً في الجماعة الإرهابية لنفس السبب، فربما جاء الرد بأن ابنك هو المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين!
بيتر، ولأنه المرشد، بعد واقعة القبض عليه بأسابيع، تذكرت سلطة الانقلاب ضرورة أن تعامله معاملة المرشد السابق الدكتور بديع، أخذاً بمبدأ عدم التمييز وتكافؤ الفرص المنصوص عليه دستورياً، فقدمت فيلما لعملية القبض عليه، هو وأفراد تنظيمه، وقد لوحظ ان الفيديو جاء مصحوباً بالموسيقى التصويرية، يبدو أن الانقلاب لديه فائض من مخرجي الأفلام الهندية المضروبة.
فمن يبايع ‘بيتر’ على المصحف والمسدس، وفي المنشط والمكره؟!

الخميس، 6 فبراير 2014

عندما تصبح دائرة الحكم مسرحًا للهواة! / سليم عزوز



لا أعرف متى كانت المصالحة مع الإخوان، منذ أن وقع الانقلاب العسكري، مطروحة، لكي يتسنّى لـ " المؤقت"، أن يرهق أحباله الصوتية بالإعلان، عن أن المصالحة مع الإخوان لم تعد مطروحة. فضلاً عن أنها ليست مقبولة شعبيًا؟!

" المؤقت" المستشار عدلي منصور، بدا منذ اليوم الأول لتوليه الحكم بفضل انقلاب 3 يوليو المجيد عليه، كما لو كان مغلوبًا على أمره، وكان صمته كاشفًا عن أنه "رجل بركة"، على نحو جعله بعيدًا عن سهام خصوم الانقلاب والمُدافعين عن الشرعية. وقد جاء إلى موقعه ليس استنادًا لخبرة سياسية، ولم يُجرَّب عليه يومًا اهتمامٌ بالسياسة، أو انشغالٌ بدروبها، فقد جرى تعيينه في السلك القضائي، منذ أن تخرّج في الجامعة، واستمرّ فيه إلى الآن، ويحظر على الذين يعملون في مجال القضاء الاشتغال بالسياسة. ومع كل هذا فقد شاء الانقلاب في مصر، أن يتولّى هذا الرجل مُنعدِم الخبرة والكفاءة السياسية، المنصبَ السياسيَّ الأعلى في البلاد، وبدا واضحًا أنه لا رغبة له في التماهي مع المنصب الجديد، وهو منصب مؤقت، لا يستدعي منه أن ينشغل بما لا يعنيه، حتى لا يواجه ما لا يرضيه!.

وقد ترك مهام منصبه في أيدي آخرين من دونه، فكلّف أحمد المسلماني بالقيام بمهامّ سياسيّة، وكلّف مصطفى حجازي بالملفات الأخرى، فحدثت لقاءات مع قادة الأحزاب، في غيبة الرئيس غير المعني بالسياسة، لكن بات واضحًا أنه لن يبقى طويلاً في موقعه، فقرّر أن يشتبك سياسيًا مع الآخرين، ولا ندري هل من اللائق، بالنسبة لمن يختلفون معه أن يستمرّوا في مواجهة رؤيته ونقده حتى بعد أن يغادر القصر الجمهوري إلى المحكمة الدستورية العليا، وقد أصبحت الانتخابات الرئاسية على الأبواب؟!.

وقوع الاختيار على عدلي منصور رئيسًا مؤقتًا هو جزء من حالة الغواية، التي خضع لها الناس من فرط الدعاية، فمنذ أن تولى المجلس العسكري حكمَ مصر وهناك أصوات تطالب بدور سياسي للمحكمة الدستورية العليا، والبعض طرح اسم رئيسها السابق، قبل إحالته للتقاعد، رئيسًا مؤقتًا بديلاً للمجلس العسكري، وهؤلاء اعتقدوا أمرًا ليس مقطوعًا به وهو أنها محكمة مستقلة لا تتدخل السلطة التنفيذية في أعمالها.

وكان لافتًًا أنني كنت قد حذّرت من عمليات التخريب التي يقودها حسني مبارك لهذه المحكمة، فالرجل بعد مرحلة المستشار عوض المر، عمد أن يعبث باستقلالها، واستغل نصًا في قانونها يعطيه حقّ تعيين رؤسائها، ليمارس هذا العبث، وقبل ثورة يناير، جاء برئيس محكمة جنوب القاهرة مُتخطيًا الرقاب ليكون رئيسًا لها، وهو رجل كانت أعماله مثار طعن عندما كان يشرف بحكم منصبه على انتخابات النقابات المهنية، بموجب قانون تأميم النقابات، الذي صدر حكم قضائي بعدم دستوريته، بعد أكثر من خمسة عشر عامًا من تطبيق هذا القانون!.

وقد كتبت عن التخريب والتخطّي في حينه، وفي أيام مبارك، وتمّ تعيين الرئيس الأسبق للدستورية استنادًا إلى سياسة العناد التي كانت مُعتمدة لدى المخلوع!.

لقد أصدر مبارك توجيهاته إلى رئيس محكمة النقض، بأن يضمّ المجلس الأعلى للقضاء في عضويته رئيس محكمة جنوب القاهرة "الابتدائية"، ووافق رئيس النقض على ذلك، لكنّ تململاً حدث في الأوساط القضائية، لهذا التوجيه المعيب، ذلك بأن صاحبنا هو رئيس محكمة ابتدائية، مثلها العديد من المحاكم الابتدائية في المحافظات المُختلفة.

رئيس المحكمة الدستورية حاليًا استفاد من الثورة، التي جعلت عملية اختيار رئيس المحكمة من أقدم ثلاثة نواب لرئيس المحكمة، وباختيار من جمعيتها العمومية، وعلى الرغم من أن رئيس الدولة يختار من بينهم، إلا أن الرئيس محمد مرسي حرص أن يكون الاختيار استنادًا للتقاليد الأكثر احترامًا، باختيار النائب الأوّل بعد موافقة، الجمعية العمومية ليكون قراره كاشفًا، لقرار القضاء المنشئ.

ولا نعرف ما إذا كان المستشار عدلي منصور، هو ابن المحكمة الدستورية، أما جاء إليها نازحًا في التشكيلات التي دخلتها من الخارج، ومن محاكم أخرى!.

وهذا ليس هو الموضوع، فما يعنينا هنا أن المستشار عدلي منصور، هو بعيد كل البعد عن الشأن السياسي، وليس في هذا ما يشينه وقد أُحيل عددٌ من القضاة لمجالس التأديب لأنهم أبدوا آراء سياسية، فمجرد إبداء الرأي السياسي، يعد خروجًا على مقتضى الواجب الوظيفي، ويستلزم توقيع العقوبة لتصل إلى الطرد من السلك القضائي تمامًا، لنكون أمام مفارقة غريبة، تتمثل في أن " رئيس الدولة" هو هنا بحكم المهمة ليس رجلاً سياسيًا، وليس مشغولاً بالسياسة، ومع هذا فقد حرص القوم وهم يجهزون انقلابهم، على أن يتولى سيادته رئاسة الدولة المصرية، وهو في السياسة لا يعرف الألف من كوز الذرة، وهذا أمر لا يشينه ولا يسيء إليه، فالخطأ هنا يُسأل عنه أولئك الذين كلّفوه من الأمر ما لا يطيق!.

وفي تعامله سابقًا على أن الضرورة تقدّر بقدرها، وعليه فلا مندوحة من أن يواصل الصمت، حتى نقول ليته يتكلم!.

بيدَ أن منصور، ظهر في الآونة الأخيرة وكأنه يصمت عجزًا، وأنه عندما وجد الفرصة سانحة للكلام فقد تكلم لاسيما أنه أوشك أن يغادر القصر الجمهوري، ويودّ أن تكون له بصمة، ولو بالكلام!.

فاجأنا عدلي منصور بمقابلة صحفية أكّد فيها أن المصالحة مع الإخوان لم تعد مطروحة، وزاد على ذلك بقوله: ".. وليست مقبولة شعبيًا"، ولا نعرف أين رأى الشعب المصري ليقف منه على أن المصالحة ليست مقبولة منه، وهل التقى به مصادفة على شاشة السينما، أم على الشاشة الصغيرة، فطبيعة عمله كقاضٍ تحول دون اختلاطه بالناس، واحتكاكه بهم!.

ومهما يكن، فلا نعرف متى كانت المصالحة مطروحة، ليعلن الآن أنها لم تعد مطروحة، وفيما تكون المصالحة؟!.

وهل يستطيع الإخوان، أن يقفزوا على الدماء التي سالت، وعن آلاف الشهداء الذين سقطوا من جراء الاستخدام المفرط للقوة؟

إن الجماعة تعلم أنها إذا أقدمت على هذا وفرطت في ثقة الثوار فإنها تكون قد آثرت السلامة، لكنها في الوقت ذاته تكون قد خرجت من التاريخ!.

اللافت، أن عدلي منصور وهو في انشغاله في مجال مستجدّ عليه، قد أخطأ فيما له فيه سوابق، وهو القانون مجال تخصصه الدقيق!.

فقد تمّ ضبطه متلبسًا بالتدخل في شؤون السلطة القضائية، ليكون هذا العنوان الأبرز على هيمنة السلطة التنفيذية وتغوّلها، وهو بالمناسبة على رأسها إن لم يكن يعلم. وذلك بطلبه من النائب العام أن يخصص 9 دوائر لسرعة محاكمة " المعتقلين".. هكذا وصفهم وقد أجرى الله الحقّ على لسانه، غير مأجور، ولا مشكور!.

والذي زاد وغطّى، أن قانون الانتخابات الرئاسية جاء مليئًا بالثغرات، ويكفي أنه لم ينصّ على المنع من الترشيح لمن صدر ضده حكم جنائي، أو جنحة مخلة بالشرف، وهو شرط تمّ نسيانه فلا يوجد دستور، أو قانون لنقابة، إلا ويضع هذا الشرط لطالب الترشيح أو لطالب القيد!.

ثم جاءت المادة 15 متعارضة مع المادة 17 من ذات القانون، على الرغم من أنه يفصل بينهما مادة واحدة، فالأولى قيّدت مدّة الدعاية الانتخابية بخمسة وعشرين يومًا، والثانية أقرّت بأنها لا ينبغي أن تقل عن ثلاثين يومًا كحدّ أدنى!.

فالمستشار عدلي منصور لو تفرّغ لما يفهم فيه وهو القانون لكان خيرًا له، بدلاً من أن يغرق نفسه في بحور السياسة المتلاطمة فيخطئ هنا ويخطئ هناك، فلا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى!.

والمؤسف أن آخرَ لم يعمل بالسياسة بحكم انتمائه للجيش المحظور على من به العملُ بها، يقوم بالتسخين الآن لخوض الانتخابات الرئاسية!.

إن دائرة السلطة في مصر الآن ستكون أقرب إلى مسرح الهواة!.












الثلاثاء، 28 يناير 2014

المسرح الهزلي! / سليم عزوز



لا يمكن لأحد أن يستوعب ما يجري في مصر الآن إلا في إطار الهزل، والذي لا يمكن إدراجه إلا في باب الكوميديا السوداء!

فوزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، أسقط الرئيس المنتخب بإرادة شعبية "على حد قوله"، وحل الحكومة، ليبقى منها هو فقط بدون قرار، مع أن قيمته الوحيدة يستمدها من كونه أحد أعضاء هذه الحكومة، التي تم تسريحها وبقي منها شخص واحد، لم يجر استثناؤه بنص، وإنما بقي في موقعه بقوة السلاح، وفق نظرية الموظف الفعلي، الذي يدير مرفقا أو قطاعا بالتضليل، أو بالغِواية!

وزير الدفاع، الذي اختطف رئيس الدولة المنتخب، وقال إنه فقد شرعيته، بناء على إرادة الجماهير المحتشدة في يوم 30 يونية، لم يقم بالتنازل عن الترقيات التي منحها هذا الرئيس له، ومن رتبة اللواء إلى الفريق، إلى الفريق أول، على الرغم من أن مانح هاتين الترقيتين متهم بالتخابر مع أعداء الوطن ضد المصالح العليا للبلاد وبما يضر بالأمن القومي، ومتهم بالقتل، وتتم محاكمته الآن على هذه الجرائم!.

واكتمل مشهد العبث، بما حدث يوم الاثنين الماضي، فالرئيس المؤقت الذي عينه وزير الدفاع، يرد التحية بأفضل منها ويقوم بترقية من عينه لرتبة المشير، في سابقة لم تحدث منذ الترقية العبثية لعبد الحكيم عامر إلى درجة المشير على يد صديقه جمال عبد الناصر، لتكون هذه الرتبة الممنوحة بالمخالفة لقواعد الترقيات في المجال العسكري نكتة، يتندر بها العسكريون في دول العالم وفي المحافل العسكرية.

فرتبة المشير لا تعطى إيثاراً ولا تمنح تفضلاً، وتقريرها لا يكون إلا على موقعة عسكرية، للمقررة له دور مؤثر فيها نتج عنه جلب النصر لبلاده، ولأجل هذا فإن هناك من تولى منصب وزير الدفاع دون أن يُمنحَهَا مثل الفريق يوسف صبري أبو طالب، والفريق محمد فوزي.

ويٌذكر أن أحد القادة العسكريين السوفيت سأل المشير عبد الحكيم عامر عن الموقعة العسكرية التي مكنته من الحصول على رتبة المشير!!، فتصبب المسؤول عرقاً، وسرت نكتة في الأوساط العسكرية بأنها "موقعة فلانة" ، ولم تكن فلانة هذه سوى فنانة شهيرة، وقد كان عامر " ابن حظ" ، وكانت له مغامرات تنتقص من قيمته العسكرية، فهو لم يكن سوى عسكري مستهتر، ولم يكن ضابط جيش منضبط.

السيسي تخرج في سنة 1977، وذلك بعد أن خاضت مصر آخر حروبها بالشكل الذي أراده الرئيس السادات صاحب مقولة إن حرب أكتوبر هي آخر الحروب، وكان طبيعياً بعد أن دخلنا في السلم كافة، أن تصبح رتبة المشير مكانها المتاحف العسكرية، فكان آخر مشير هو محمد حسين طنطاوي، الذي عاصر حرب أكتوبر سنة 1973.

كنا نسخر عندما يطالب البعض من القوم المنافقين بترقية السيسي إلى رتبة المشير، وهناك تجمعات لأحزاب صغيرة قررت من تلقاء نفسها منح الفريق السيسي رتبة المشير، لأنه خلص البلاد من الإخوان، وهي النغمة السائدة الآن، بعد أن ثبت للجميع أن الرجل ليس هو عبد الناصر، أو إيزنهاور، وبعد أن سقطت أسطورة الكاريزما، ورئيس الحكومة المؤقتة حازم الببلاوي لم تسعفه الإنجازات وهو في دافوس، فلم يجد من عوامل تجعل السيسي مطلوباً جماهيرياً سوى أنه "وسيم" فقال إن النساء سوف يقمن بانتخابه لذلك، ولا أدري سبباً لزيادة المنسوب العاطفي في مصر هذه الأيام، فالفريق السيسي نفسه يصف المتحدث العسكري بأنه "جاذب للنساء" في إطار تأكيده على جدارته بالمنصب الممنوح له، وكاتبة كتبت في سياق تأييدها للسيسي مقالاً فاضحاً حمل عنوان: "اغمز إنت بس بعينك" وأكدت على استعدادها أن تكون جارية في بلاطه، إن لم يسعفها الحظ أن تكون واحدة على فراش الزوجية بقواعد التعدد!.

إذا اعتبرنا أن تخليص عبد الفتاح السيسي لمصر من الإخوان موقعة عسكرية بارزة في تاريخ العسكرية المصرية، على نحو يمكن قائدها من رتبة المشير، فاللافت أن الانقلاب، وإن انتزع الحكم من الإخوان، فقد ارتفعت شعبيتهم في الشارع، لاسيما بعد المجازر التي ارتكبت ضدهم، وبعد أن تبين وجه الانقلابيين الدموي للناس، وتبين فشل سلطة الانقلاب، وتبين أن جزءاً كبيراً من فشل مرسي كان نتيجة مؤامرة عليه، من الذين قادوا الانقلاب بعد ذلك، إلى حد أن وزير الداخلية يتفاخر بأنه كان يحجب المعلومات عن رئيس الدولة وكان يعصي أوامره.

وتحول محمد مرسي، الذي كنا نقول فيه العِبر، بكسر العين، وهو في الحكم إلى "أيقونة للنضال" ، وهو الصامد المحتسب، الذي رفض أن يخضع للانقلابيين بالقول، لينجو بنفسه من الاختطاف والسجن والاعتقال، وإذا كنت من الذين يعتقدون أن مرسي فقد معظم شعبيته وهو في الحكم، فأنا من القائلين بأنه اكتسب بصموده أنصاراً لم يكونوا في حسبانه، وإلى حد انتقل به إلى درجة أن يكون رجلاً مخيفاً لسلطة الانقلاب وهو في قفص الاتهام، فيمنع من المحاكمة في الجلسة الماضية، ثم تتفتق الأذهان عن قفص عازل للصوت لكي لا يصل صوته وهو المحبوس إلى الخارج، فمرسي الذي لم يكن مهاباً وهو حاكم مصر، صار مخيفاً لمن يملك القوة الغاشمة، وهو في القفص!.

ومهما يكن، فهذا الهزل الذي طالبت به أحزاب هزلية، وأشخاص هزليون تحول إلى قرار رئاسي، منح بمقتضاه "الرئيس المعين" من عيَّنه في موقعه رتبة المشير، لنكون مسخرة أمام الدول بهذه الترقية المضحكة، لقائد عسكري شاهد الحروب عبر الشاشة الصغيرة، ولم يرَها واقعاً طوال فترة خدمته من بدايتها لنهايتها.

لقد علق الفريق السيسي قرار ترشحه للانتخابات الرئاسية على شرط تأييد الشعب له وأيضاً بتفويض الجيش له، وعلى الرغم من أن الذين خرجوا ليحتفلوا في ميدان التحرير وغيره بالذكرى الثالثة لثورة يناير لم يتجاوزوا خمسة آلاف شخص، وأن خروجهم كان للاحتفال وليس للتفويض، وأن حضورهم كان في أجواء صاخبة، ووسط "زفة بلدي" ، فقد جرى اعتماد مجرد رفع صور السيسي بجانب صور حسني مبارك موافقة ضمنية على ترشيحه، فقرر الترشح، ثم كانت الكاشفة من خلال اجتماع المجلس العسكري وقراره له بالتفويض نزولاً على رغبة الجماهير، باعتبار أن الجماهير أبدت رغبتها المُلِحَّة في طلب السيسي الترشح في المهرجان الراقص بميدان التحرير يوم 25 يناير، والذي انتهي بحفلة تحرش جنسي فاضحة ومذاعة!.

هذا القرار الصادر من المجلس العسكري كاشف عن أن ما جري في مصر من تدخل الجيش يوم 3 يوليو وعزل الرئيس المنتخب وحل البرلمان ووقف العمل بالدستور، هو استجابة لنبض الشعب، ولكن كان انقلاباً عسكرياً مكتمل الأركان، والركن غير الواضح فيه تأسس بتفويض المجلس العسكري وبرغبة السيسي في الترشح رئيساً.

أمامنا حالة لتدخل الجيش من أجل حماية الوطن، وعلى غير رغبة منه في الانقلاب على الشرعية، تتمثل في حالة الفريق سوار الذهب، فقد تعامل مع انصياعه لإرادة الشعب السوداني المنقلب على جعفر النميري، على أنها ضرورة تقدر بقدرها، وعليها فقد سلم سوار الذهب السلطة للشعب في أقرب وقت، وبانتخابات لم يخضها.

بيد أن السيسي، فعل، والجيش تعامل على أنه حزب سياسي، بهذا القرار وذلك التفويض، فإذا تجاوزنا نظرية الشرعية، وفكرة الانقلاب، فإن هناك إخلالا بمبدأ تكافؤ الفرص بين من يحق لهم الترشح للانتخابات الرئاسية، فمن يمكنه خوض هذه الانتخابات، غير المتكافئة، والجيش الذي يحتكر الوطنية، ويحتكر القوة، أعلن عن مرشحه المختار؟.

لا بأس فقد أخفوا في أنفسهم ما الله مُبدية، وقالوا إن ما حدث في مصر كان ثورة شعبية..فإذا بالجميع يقف على أنه انقلاب عسكري.

من قبل قال السيسي إنه لن يترشح للرئاسة ولن يسمح للتاريخ أن يكتب أن جيش مصر تحرك من أجل مصالح شخصية، وربط بين ترشحه للرئاسة وتحرك الجيش من أجل مصالح شخصية.. قال ولم نقل. وهو لم يصدق في شيء ليصدق في هذه!

إنه الهزل يا قراء.

الأربعاء، 22 يناير 2014

دستور الانقلاب.. كلام في الشكل! / سليم عزوز



انتهت سريعاً "زفة دستور الانقلاب" ، الذي لم يكن سوى سرابٍ بِقيعَةٍ يحسبُه الظمآنُ ماءً، وما هو بماء!.

فقد أقامت سلطة الانقلاب في مصر، الأفراح والليالي المِلاح، ابتهاجاً بالاستفتاء على الدستور، إذ نقلوا لنا "حصريًا" حفلات الرقص التي عمَّت الشوارع، والتي ربَّما وجدوا فيها تعويضاً عن عدم قدرتهم على تقديم صورة لطوابير الاستفتاء عبر الفضائيات، ونتيجة انشغال "كومبارس" الناخبين، في تأمين اللجان من ناحية، وفي التصدي للمظاهرات من ناحية أخرى، وأعني بهم المجندين، الذين كان مقدراً لهم أن يصطفوا أمام اللجان، لالتقاط الصور إعلاميا لهم، وهو ما فطنت إليه مبكراً وكنت من الداعين لضرورة التظاهر في يومي الاستفتاء، لشغل الانقلابيين بأنفسهم، وذلك رداً على الدعوة الخاصة بأن يقاطع الناس، ويجلسوا في بيوتهم!.

كان الرقص الذي عم الشوارع تجربة جديدة في تاريخ مصر السياسي، وبدا الأمر مخططاً ومرتباً له، ومنذ سنوات رصدت حالة الكآبة التي عليها الناس، ففي الأفراح يلفت الانتباه أن المدعوين سارحي الذهن، وفي حالة انشغال باللحظة التي يغادرون فيها الحفل، وكأنهم جاءوا لتأدية واجب والسلام، وذلك أكثر من انشغالها بما يدور في المكان، من غناء وطرب.

بيد أن جرعة الرقص بمناسبة الاستفتاء على الدستور، فضلاً عن أنها غير مسبوقة، فقد بدت أنها زيادة عن المنسوب الطبيعي، على نحو جعل ما يستقر في وجداننا أنها سعادة مُصْطنعة، فليس في مُسَوَّدة الدستور ما يحرِّض على الرقص والخروج عن الوقار، وليس في نصوصِهِ، ما يغني الناس من جوع، ويمثل لهم الأمان من خوف!.

لقد صوَّروا للعامة أن الاستقرار سيتحقق بإقرار الدستور، وها هو الدستور يتم الاستفتاء عليه، ومع ذلك فإن هذا لم يمنع الثوار من الخروج اليومي كعادتهم من أجل كسر الانقلاب وعودة الشرعية، كما أن الدعوة للحشد الأكبر يوم 25 يناير احتفالاً بالثورة وللعودة للمسار الديمقراطي، لم يؤثر في بريقها إقرار دستور تَخلَّق في رَحِم البُطلان، وجاءَ تعبيراً عن إرادة "أحزاب الأقلية" تحت وصايةِ الجيش، وبقوةِ السلاح.

وجاء مشهد إعلان النتيجة كاشفاً عن أننا أمام فضيحة مكتملة الأركان، فخطاب رئيس اللجنة العليا للانتخابات، جاء عنواناً للجهل النَّشِط، ومثل إهانة للقضاء المصريِّ، وإساءة له بالخارج، فالرجل وقع في 70 خطأ نَحْوياً، ولم يتمكن من نطق كلمات كانت مقررة علينا في مرحلة التعليم الأساسي، مثل نهر دِجْلة، وقُطـُز، وهو ما أمسى حديث الناس في الداخل والخارج، والأمر لا يستدعي ثقافة موسوعية لكنه يحتاج إلى الإلمام بما تم ذكره في كتب "المُطالعة" المقررة على تلاميذ المرحلة الابتدائية.

إذا تجاوزنا هذه المهزلة،، التي جعلت سلطة الانقلاب تسعى للخروج منها بافتعال أزمة بين وزير الرياضة والنادي الأهلي، وبين الوزير والحكومة، فإن أحداً لا يمكنه أن يُدخِل الغش والتدليس علينا، بتقديم وثيقة الانقلاب على أنها تمثل دستور الشعب المصري.

قانوناً لا يجوز للقاضي أن يفصل في دعوى أمامه ما لم تستوف الشكل، الذي هو جزء من النظام العام، ولا يمكنه الولوج إلى الموضوع ما لم يتم استيفاء الشكل، ومن هنا لابد من وضع هذه الملاحظات.

أولاً: إن القاضي رئيس اللجنة القضائية، ليس مؤهلاً للإشراف على الانتخابات، لأنه صاحب رأي مناهض لقيمة هذه الانتخابات نشره في مقال بجريدة "الأهرام" ، فالمصريون من وجهة نظره ليسوا مؤهلين للانتخابات وعليه فقد طالب بإرجاء العملية الانتخابية، ولأنه إذا أفصح قاض عن رأيه في قضية منع من الفصل فيها، فقد كان لزاماً عليه أن يستشعر الحرج و يتنَحَّى وإلا وجبَ ردُّه.

ثانياً: إن القاضي رئيس اللجنة القضائية تجرد من الحَيْدَة وجاءَ متحيِّزاً، فغمز ولمَز في طرف سياسي، باستدعاء مشهد من سقوط الأندلس، وإذا نحينا البعد الطائفي في كلام المستشار "نبيل صَليب" ، فهو عندما ذكر واقعة المُلك الذي لم يتم الحفاظ عليه كالرجال، كانت إشارته واضحة لطرف في المعادلة السياسية وهو جماعة الإخوان المسلمين.

ثالثاً: بدت السلطة التنفيذية حاضرة في مشهد الاستفتاء منذ اللحظة الأولى فوزارة العدل أنشأت غرفة عمليات لمتابعة الاستفتاء، ووزير التنمية المحلية تحدث في أمور من صلب العملية الانتخابية، ورئيس الحكومة بدا كما لو كان هو رئيس اللجنة القضائية المشرفة على الاستفتاء، وتوَّجوا المشهدَ بكلمة افتتاحية من موظف تابع لوَزارة الإعلام هو رئيس هيئة الاستعلامات، قدم فيه للقاضي رئيس اللجنة بعد خطبة سياسية رنانة ومتحيِّزة، تليق بكونه موظفاً حكومياً.

رابعاً: في خطابه السياسي المُوَجَّه، ظهر المستشار "نبيل صَليب" متحيزاً، ولهذا كان طبيعياً أن يتجاوز دوره كقاضٍ مستقل في إعلان النتيجة وأن يتقمص دَورَ المُحلل السياسي، وهو يبرر عزوف الشباب، بأنه راجع للامتحانات فلو جرى الاستفتاء في أيام أخرى لحضر الشباب، ولكانت أعداد الناخبين أكثر.

خامساً: في تجاوزه لحدود دوره كقاض يترأس اللجنة العليا للانتخابات، فإن "صَليب" لم ينس أن يذكر أن الحاضرين في هذا الاستفتاء أكثر من الذين حضروا في الاستفتاء على دستور 2012، وهو أمر كان ينبغي أن يتركه للمحللين، ودوره أن يضع أمامنا المادة الخام التي تتمثل في أعداد الذين حضروا هذه المرة.

سادساً: تجاوز الجيش حدود دوره كحارس لأمن اللجان، ليكون جزءاً من الدعاية، من خلاله حمل أفراده للأطفال، وحمل الكبار في مشهد تمثيلي بالغ السُخف، ومن خلال ترك الأسلحة في أيدي البنات لالتقاطِ صُور بها، وفي بعض المناطق كانوا ينادون على المارة ليأتوا للتصويتِ بنعم، وليسَ تأمين اللجان أمرًا جديدًا عليه، فقد أمَّنت القوات المسلحة خمسة استحقاقات انتخابية منذ ثورة يناير، ولم يتم التجاوز لحدود المهمة على النحو الذي جرى في الاستفتاء على هذا الدُّستور.

سابعاً: في إطار تبني سياسة المهرجانات الراقصة، فقد نسينا قواعد العملية الانتخابية، فلم يهتم أحد بأيام الصَّمت، فقد كانت هذه المهرجانات أمام اللجان، تمثل تأثيراً على إرادة الناخبين، دون تدخل من السلطة المُخَوَّل لها تأمين اللجان، بل إنها نفسها كانت جزءا من هذه المهرجانات المنصوبة، ولم تتوقف الدعاية للاستفتاء وللتصويت بـ " نعم" لحظة واحدة.

ثامناً: الذي لم ينتبه له كثيرون، أن الاستفتاء جرى بإشراف منقوص من القضاء، فقد سقطت نظرية قاض لكل صندوق، فأعداد القضاة الذين أشرفوا على الاستفتاء، تجاوزا (15) ألف قاض بقليل على أكثر من ثلاثين ألف لجنة فرعية ناهيك عن اللجان العامة ولجان الوافدين، والمعني أن أكثر من الضعف من الصناديق كان بعيداً عن رقابة القضاء.

تاسعاً: في اليوم الأول نشر أنَّ الصناديق لم تَبتْ في حَوزة القضاة، ولكنها باتت في أحضان قوات الأمن المسؤولة عن تأمين اللجان، على نحو دفعَ بكثيرين أن يقولوا أنها حملت في هذه الليلة سفاحاً.

عاشراً: إذا تفهمنا تجريم الدعوة للمقاطعة، فقد بدا لافتا تجريم التصويت بـ "لا" وقرأنا عن ناخبين تم القبض عليهم من داخل اللجان، لأنه كتبوا نقداً للمشهد السياسي في عهد الانقلاب على أوراق الاستفتاء، ويبدو أن السِّريَّة لم تكن قائمة، وأن الأمر كانَ تحتَ المُراقبة، فجرى اعتقالهُم، فضلاً عن أنَّ هناكَ سبعة أفراد من حزب "مصر القوية" تم إلقاء القبض عليهم لأنهم كانوا يدعو الناس للتصويت بـ "لا" .

فهذا استفتاء غريب من نوعه لأنه لا يعترف سوى بخانة واحدة هي الخاصة بالتصويت بـ "لا" إنما الأخرى وضعت كعادة والسلام.

حادي عشر: هذا ناهيك عن أن الأمرَ برمته بني على باطل، وهو نتاج انقلاب على الإرادة الشعبية وما بني على باطل فهو باطل.

وبالرغم من أن الشكل علي هذا النحو، وبشكل يمثل مانعاً دون الولوج للموضوع، فإن الذي منعني من الدخول ليس عدم استيفاء الشكل ولكن انتهاء المساحة المقررة لهذا المقال، عُذري أنَّ بعضَ ما ذكرتُه على أنه من الشكل هو في الواقع من صميم الموضوع.

ومَهما يكنْ، فقد أسقطتْ ثورة الناس في الشوارع دستورَ الانقلاب لتجعل منه هو والعدم سَواء.


الجمعة، 17 يناير 2014

تحالف قوى الشعب الراقص في ليلة زواج الدستور! / سليم عزوز



ذاب الحد الفاصل، بين اللجنة الانتخابية، والـ ‘ نايت كلوب’، فلم نعد نميز بين كون ما نشهده، يحدث أمام لجان الاستفتاء أم داخل ‘ملهي ليلي’، ولم يعد المشاهد يفهم ما إذا كان القوم قد دعوا للتصويت على مشروع الدستور، أم أن الدعوة موجهة لهم لحضور ‘طهور’ الأنجال. وعلى أيامنا كان ‘طهور’ الأبناء مما تقام له الأفراح والليالي الملاح. أقصد بذلك الأولاد، لأنه فلا أحد يحتفل بختان البنات!
لا أخفيكم سراً، أنه عندما نقل لنا التلفزيون المصري الرائد، اللحظة التاريخية التي دخل فيها الفريق أول عبد الفتاح السيسي، لجنة الاستفتاء تحت ‘قصف’ من الزغاريد، أنني ظننت أننا أمام حفل ‘طهور’، لكن عندما نُقلت لنا ‘عمليات’ الرقص الجماعي، أيقنت أننا في حفل زواج، حيث سيعقد قران صاحبة الحسب والنسب ‘وثيقة الدستور’، على صاحب الحظ والنصيب، وأن اليوم الأول للاستفتاء كان هو يوم ‘الحنة’، أو الحناء، وأن اليوم الثاني هو ‘الدخلة’، وكتب الكتاب معاً، وبدا لي قادة حزب النور بلحاهم الطويلة كأنهم ‘حضرة المأذون’، الذي تم استدعاؤه على عجل، لعقد القران، قبل الفضيحة، فالدستور حامل، والمراد هو إصلاح خطأ لموتور، فعل فعلته في لحظة طيش، وكان لا بد من عقد القران في قسم الشرطة، وفي وجود حضرة الضابط ‘ النابتشي’!
في السابق، كانت الصحف تصدر في اليوم التالي للعملية الانتخابية، واصفة ما جرى من تصويت وانتخابات بأنه ‘عرس الديمقراطية’، حتى تلك الانتخابات التي كان التزوير فيها معلوماً للكافة، لكن الآن لم يكن ‘العرس′ مجازاً بل كان حقيقة!
وإذا كان هناك من يحلو له أن يطلق على الفريق أول عبد الفتاح السيسي أنه عبد الناصر الجديد، فالجديد قد حدث بسبب فروق التوقيت بين القرن العشرين، الذي جاء فيه عبد الناصر والقرن الواحد والعشرين الذي شهد بزوغ نجم السيسي. 
ففي القرن الماضي كان شعار المرحلة ‘تحالف قوى الشعب العامل’، الآن صار الشعار هو ‘تحالف قوى الشعب الراقص’. فالراقصات محجبات وسافرات ومنتقبات، فتيات ونساء من جيل ما قبل ‘فحت البحر’، ‘ عُرباً وابكاراً’، وقد سئل ابن عزوز عن ‘ العُرب’ فقال: عاشقات البيادة.
كنا أمام مشهد غير مسبوق في تاريخ الحياة السياسية، عندما صار الرقص هو شعار المرحلة، ولا بأس فمبكراً كان الاحتفاء براقصة متجاوزة، وكنت ترى سياسياً يافعاً، يستدعي انحطاط راقصة مستجدة، تعمل بتكليف من الأجهزة الأمنية، للإساءة للرئيس محمد مرسي. فرجال الانقلاب يمارسون ‘كيد الضرائر’، كما ورد في الكتاب، وما دامت هذه الراقصة هي نجمة المرحلة، فلا بد من أن يكون الرقص هو ما يميز يومي الاستفتاء.

أطفال الشعب

بدت الصورة مبالغاً فيها، على نحو انتقل بها من العفوية، الى التخطيط السياسي، وأول ‘طلة’ في هذا اليوم هو قيام كائن بشري بين الفتاة والسيدة، بنزع غطاء رأسها، وربطت به وسطها الذي لم أتبين حدوده الجغرافية، إذ كانت في حجم ليلي علوي في فيلم ‘بحب السيما’، وكان اللافت هو تخلي ضباط في الجيش عن أسلحتهم، للفتيات ليتصورن بها، ولا أظن أن هذا التساهل له علاقة بتقاليد الجندية من قريب أو بعيد، وتكررت صور لضباط يحملون ‘أطفال الشعب’.. منكم وبكم.
بدا لي أن الخطة استهدفت إشعار القوات بمدى القبول الشعبي، على نحو صار فيه التعامل من قبل الجماهير لرجال الجيش كما لو كانوا قدموا تواً من الجبهة، بعد تحقيق انتصار كاسح على العدو الذي كان يحتل البلاد!
تشاهد جنوداً يحملون مواطنين، في مزاح متجاوز لسقف المزاح الوقور، فتدهش، وتدهشك فتاة تمسك بيدي اثنين من الجنود وتقوم بتقبيل ‘الأيادي’ وهي في الوضع منحنية، فتقف على طبيعة الخطة، وقد شاهدنا عجائز يتعاملن مع الجنود معاملة عودة الابن الضال.
وتسأل عن حالة ‘الشحتفة’ هذه المتجاوزة للسقف المسموح به عالمياً، فيقال لأن الجيش خلص الشعب من الإخوان، وبحسب المعلومات التي يرددها الانقلابيون عبر الفضائيات المختلفة، فان الذي خلص البلاد من الإخوان، هو الشعب الثائر، وما الفريق السيسي إلا وزير قد خلى من قبله الوزراء!
وفي أجواء ‘الشحتفة’ سقطت نظرية الشعب الذي أسقط الإخوان، فتبين ان الذي أراح القلوب الموجوعة هو الجيش، الذي جرى الاحتفاء بجنوده، كما لو كانوا قدموا تواً من على ‘خط النار’.
وفي الواقع، أن الأجواء الاحتفالية أسقطت ما كان يروج له ضيوف الفضائيات الممثلين للانقلاب من أن القوى الموالية للشرعية تبالغ في الحديث عن دور السيسي في السلطة، وأحدهم لا يمل من أن يردد عبر قناة ‘الجزيرة’ أن من يحكم مصر هو المستشار عدلي منصور، ‘الرئيس المؤقت’، وفي البداية كنت عندما أستمع لهذه الاسطوانة أضحك، الآن فقدت النكتة عنصر البهجة فيها من التكرار.
بدا لي عدلي منصور في يومي الاستفتاء، وفي الاحتفالات الصاخبة، كيتيم القرية، فالصور المرفوعة هي للفريق السيسي، ولا احد رفع صورة لهذا اليتيم!

كرسي في الكلوب

وعلى ذكر ‘الجزيرة’، فقد كان لها دور في هذه الأجواء الاحتفالية تمثل في دور ‘العزول’، الوارد ذكرهم في الأغنية الشهيرة ‘يا عوازل فلفلوا’ لكن ‘العزول’ هنا لم يكن سلبياً فقد ضرب كرسياً في ‘الكلوب’، فقلب الفرح إلى مآتم.
فضائيات الثورة المضادة، لكثرتها، هي أكثر من الهم على القلب، وهي وان كانت قد نجحت في تشويه صورة محمد مرسي، ومن ثم مهدت لعملية إسقاطه، إلا أنها فشلت في أن تروج للانقلاب، صحيح أنها نجحت في البداية في أن ترتقي بالفريق السيسي الى مرتبة الأسطورة، لكنها لم تنجح في ان تحافظ على هذه الصورة الذهنية التي بعثتها في النفوس، وهي تقدمه على انه عبد الناصر وديغول وايزنهاور، ونجحت التسريبات في أن تقدمه على أنه ليس أكثر من قائد جند متمرد وطامع في السلطة، وليست له أي مرجعية سياسية أو فكرية، وليس صاحب وجهة نظر، إلا فيما لا ينفع الناس ولا يمكث في الأرض عندما قال في هذه التسريبات ان السلعة بثمنها.
برامج ‘ التوك شو’، التي هي جزء من ‘الزفة المنصوبة’، و ‘فرح العمدة’ المقام، لا شيء تفعله إلا أنها تهاجم ‘الجزيرة’، على نحو كاشف عن مدى تأثير هذه القناة، التي تقدم الرأي والرأي الآخر، وتقريباً هي الفضائية الوحيدة التي تفعل هذا، لكن هذا ‘الرأي الآخر’ مع وجود ‘الرأي’، وهذه ‘الصورة الأخرى’ مع وجود ‘الصورة’، تجعل كل ما تبثه 34 فضائية تابعة للانقلاب، على مدار الساعة، كهشيم تذروه الرياح!
وهذا ما يفسر كيف أن القوم أصابهم عفريت اسمه ‘الجزيرة’، فعندما يفتح احدهم فمه يقول: ‘الجزيرة’، وعندما يغلقه لا ينسى قبل الإغلاق أن يقول ‘الجزيرة’، ولو كنت منهم لتعاملت على طريقة ‘يا جبل ما يهزك ريح’، ولو من باب الادعاء، بيد أننا نعلم أن الانقلاب في مصر كالعنكبوت، اتخذت لها بيتاً، وان اوهن البيوت لبيت العنكبوت!
لميس الحديدي تعرضت لمقلب بالغ الحرج، عندما تصرفت على طريقة محمد صبحي، أو ‘سنبل’ في المسلسل التلفزيوني ‘رحلة المليون’، الذي اتفق مع تابعه ‘فرج’ أن يجلب مجموعة من الشبيحة (المواطنين الشرفاء) ودخل على المستهدف وكله قوة، فهدده ثم نادى: ادخل بالرجال يا فرج، فدخل فرج بطوله، فلم يكن معه أحد.
لميس قررت أن ترد على قناة ‘الجزيرة’، التي ‘ضربت كرسياً في الكلوب’، و’الكلوب’ لمن لا يعرف هو مصدر الإضاءة في الأفراح قديماً، قبل الكهرباء.
نادت لميس على المخرج بصوتها الطارد للكائنات الحية، فإذا بالصورة من الشارع ومن خارج اللجنة، تغزلت لبعض الوقت في هذا الحضور الجماهيري الكاسح، الذي يرد على دعاية قناة الجزيرة السوداء، قبل ان تنتبه الى أنها ليست صورة من داخل لجنة من لجان الاستفتاء.
نادت مرة ثانية وثالثة ‘ادخل يا فرج’ ودخل فرج، فإذا بصورتين كاشفتين عن العزوف الشعبي، وهو أمر كاشف عن أسلوب الفهلوة الذي تدار به برامج ‘التوك شو’ في الإعلام الجديد، حيث يدخل المذيع على الأستوديو دون أن يطلع على الأدوات المساعدة له، فجاءت لميس لتكشف كذب ‘الجزيرة’، فأكدت على مصداقيتها.
ولم تكن لميس وحدها، التي روجت للعزوف الجماهيري، فكثير من المحطات التلفزيونية كانت تنقل صور هذا العزوف، بينما المذيع يتحدث عن حضور جماهيري كاسح، فتنظر في الشاشة فيرتد إليك البصر خاسئاً وهو حسير.
في مثل هذه المناسبة يقال: لقد ذهبت العروس للعريس ليبقى الجري للمتاعيس!

بلا حدود

المقابلات الأهم لأحمد منصور مؤخراً هي التي أجراها مع يحيى حامد الوزير في حكم الرئيس محمد مرسي، والمستشار وليد شرابي أحد قضاة ‘من اجل مصر’، الذين قطعوا الطريق على نية المجلس العسكري في تزوير الانتخابات الرئاسية، وإسقاط الرئيس محمد مرسي، إذ أعلن النتائج مبكراً من خلال فرز اللجان الفرعية. واستبقوا بذلك قرار اللجنة العليا للانتخابات.
الأهمية هنا مردها أن لقاءات حامد وشرابي تقدم للمشاهد معلومات لا يمكن أن يقف عليها إلا من خلال من كانوا يعملون في المطبخ، وكنت أتخوف من أن يحدث التوريث في مصر، فتضيع معالم حقبة كاملة هي الخاصة بفترة تولي مبارك الحكم، نظراً لحرص الأطراف المختلفة على الصمت، وبدأ أطراف هذه المرحلة يغادرون الحياة الدنيا دون ان نقف على المسكوت عنه، بسبب ضجيج الثورة المضادة وحرصها على إشغالنا بالاستغراق في اللحظة الآنية.
القاضي وليد شرابي تحدث في ملف غير مطروق، فأفزعنا بما ذكر، وكيف أن ست دوائر هي التي قررت أن تتولى الحكم على الإخوان، بعد تخيير رئيس المحكمة المختص لمرؤسيه: من يحاكم الاخوان؟!
صاحبنا كان ضيف ‘بلا حدود’ لحلقتين، في الأولى تحدث أحمد منصور عشرين دقيقة، بينما زاد عليه الضيف خمس دقائق فقط لم تخل من المقاطعة. تشعر أن منصور كانت أمنيته أن يعمل ‘ضيفاً’، لكن حظه البائس جعله مذيعاً. وان كان في الحلقة الثانية ترك شرابي يتحدث ولم يقاطعه إلا للضرورة.
وقد لفت انتباهي أمران، الأول: أن الفريق السيسي جزع من اللجوء للمحاكم الدولية، وأنا من كنت اظن انه ليس مستشعراً لخطورة ما يفعل، وقد استأجر محامياً دولياً ليترافع عنه هو صاحب فكرة وضع الإخوان على قوائم الإرهاب ليكون السيسي في حكم بوش ومعركته مع بن لادن، وأن دولاً غربية جزء من المؤامرة.
الأمر الثاني: ان هناك مجالاً أخراً تفوق فيه الانقلابيون غير ميدان التسول، والذي نجحوا فيه نجاحا مبهراً، هذا المجال هو الخاص بالتشويش على اللقاء، لدرجة أن تشويشاً لعدة دقائق تعرضت له الحلقة الثانية، وصل الى خارج القطر المصري، متجاوزاً الحدود الجغرافية للانقلابيين.
في انتظار المزيد من انجازات الانقلابيين المبهجة.

الثلاثاء، 14 يناير 2014

السيسي يقفز للمجهول! / سليم عزوز



"من سبق أكل النبق"!.

هكذا تصرف الفريق عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع في مصر، عندما أعلن استعداده خوض الانتخابات الرئاسية، إذا طلب منه الشعب ذلك، وإذا حصل على تفويض من القوات المسلحة!.

السيسي، قطع الطريق على دوائر الانقلاب الإقليمية والدولية، التي رأت أن الرجل قد انتهت مهمته بما قام به، من انقلاب على الرئيس المنتخب، وليس تراجعها عن تأييده، مرده إلى عداء القوى الخارجية له، باعتباره يقود حركة التحرر الوطني في "المحروسة" على النحو الذي يوحي به أنصاره، فالشاهد أنه لم يكن قائد الانقلاب، ولكنه كان "مقاول" هذا الانقلاب، "من الباطن"، ولعل اللافت أن إسرائيل هي التي تدفع واشنطن إلى الآن من أجل تأييده رئيساً، كما جرى تأييده منقلباً على الرئيس الذي رقّاه رتبتين عسكريتين وجعله وزيراً للدفاع بدون مطلب من المؤسسة العسكرية.

لم يكن لدى "المقاول" الرسمي للانقلاب، إقليمياً وغربياً، مانع في أن يصبح السيسي رئيساً لمصر، فهو تتوفر فيه المواصفات العالمية للرئيس التابع، ما يجعله الأفضل، إذا اعتبرنا أن الرئيس ينبغي أن يحقق المصالح الأمريكية في المنطقة وأن يحافظ على المصالح الإسرائيلية، كما ينبغي أن يحافظ على مصالح دول عربية بعينها، هي التي رعت هذا الانقلاب وأنفقت عليه. لكن تبدو المشكلة في أن هذه المصالح لن تتحقق إلا في ظل حالة من الاستقرار، وقد تأكد للجميع أن وجود السيسي في المشهد لن يكون جالباً له، ولو بعد الاستفتاء على الدستور وإجراء الانتخابات الرئاسية، فقد ينقذ الاستفتاء والانتخابات سمعة حلفائه في البيت الأبيض بالشكل الديمقراطي الذي تحقق، لكن هذا الشكل لن يهضمه المصريون الرافضون للانقلاب وبالتالي لن يتحقق الاستقرار المنشود.

الإدارة الأمريكية قلبها ميت، وهي لا تأس على الحب العذري، وبالتالي فإن الفريق السيسي بالنسبة لها فعَل ما يستطيع فعله، وليس لديه ما يقدمه، لاسيما وأن المطلوب هو تحقيق الاستقرار الآن وهو استقرار يراد له أن يكون على قواعد نظام مبارك، فيكون الإخوان جزءاً من المشهد، وليس المشهد كله. وليس في قدرة الإخوان، أن يدخلوا أي تفاوض مع سلطة على رأسها السيسي، لأن هذا سيجعلهم يحكمون على أنفسهم بالإعدام، وعلى الجماعة بالخروج من التاريخ، لأن الشارع الثوري الآن هو الذي يقود حركة الرفض، ولم يعد هو الشارع الذي ينتظر إشارة من القائد الميداني فيهتف، أو ينصرف.

العاطفة ربما تحكم أداء الدوائر العربية، وهي صاحبة الرأي القائل: فليستمر السيسي وزيراً للدفاع ويلفت نظراً عن فكرة الترشح لرئاسة الجمهورية، وهذا أخف الضررين، لاسيما وأن منصب وزير الدفاع بات محصناً، ومن يشغله سيستمر فيه ثماني سنوات.

فاتورة السيسي رئيساً مرتفعة، ولا قبل لدول الخليج كافة على دفعها، والسيسي طلب من دوائر الانقلاب عربياً 120 مليار دولار، لتحقيق الاستقرار الاقتصادي في الأمد المنظور، كما لو كانت المليارات يعثرون عليها يومياً على شاطئ الخليج، وعندما سَمِع تململاً، قال إنه يحتاج 30 مليار دولار بشكل عاجل، قبل أن تفلت الأمور من يديه!.

حسبما تردد، فإن الدول الخليجية المؤيدة للانقلاب، والمحرضة عليه، اتفقت على تقديم 13 مليار دولار، "أول عن آخر"، وأن الذي دخل خزينة الدولة بالفعل هو 40 في المئة من هذا المبلغ، والباقي حين ميسرة.

البلدان الممولة للانقلاب، وجدت نفسها في بئر جاذب للأموال، ليس له من قرار، فكان قولها لابد لمصر من أن تعتمد على نفسها، وهذا هو المستحيل بعينه!

فالثورة المستمرة في الشارع، لن تمكن جماعة الانقلاب من أن ينجحوا إن كانت لديهم رغبة في النجاح، أو تصور لهذا النجاح، وإن كان كل ما سمعناه من خطط وبرامج للفريق السيسي وغاية تصوره لحل الأزمة الاقتصادية، يتمثل في رفع الدعم، لتباع السلعة بثمنها، ولا دور للدولة، التي يراد لها أن تكون " سوبر ماركت" كبيراً.

فلا خطط للنهوض الاقتصادي لدى الانقلابيين، وهم لم يفكروا بالأمر من كل جوانبه، فقد كان كل ما يشغلهم هو إسقاط الرئيس المنتخب، وتقديم مصر بعد الربيع العربي على أنها دولة فاشلة، فتكون رداً على الذين يريدون للثورات العربية أن تصل إلي بيوتهم، وهناك بعد آخر ولا شك، وهو الخاص بأن الرئيس مرسي دخل في "عش الدبابير" بسعيه لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، وأن تصنع مصر سلاحها ودواءها، والمباح لنا بعد كامب ديفيد أن تكون صناعة "المكرونة"، و"المراوح" هما ما تنتجه المصانع الحربية!.

الثورة تعوق أي أمل في الخروج من الانهيار الاقتصادي، وتوقف مصر بالتالي عن أن تمد يدها للدوائر الإقليمية المهتمة بإنجاح الانقلاب، وفي لقاء تلفزيوني قلت لو أن بلدا اهتم بتوفير إفطار يومي للمصريين، مكون من "فول" فقط لأفلس هذا البلد، وإن كان يعمل في تزوير العملة، وتزييف أوراق البنكنوت.

ولهذا كله، بحثت دوائر الانقلاب عن بدائل مناسبة، فوقع الاختيار في البداية على الدكتور محمد البرادعي، وإعادة تدويره، وعلى الفريق سامي عنان، حدث هذا في وقت واحد، أما البرادعي فقد عاد لمصر ولم يجد أحداً في استقباله فأيقنوا أن زمانه قد ولى، وعليه عاد مرة أخرى إلى النمسا.

لقد أعلن الفريق سامي عنان خوضه للانتخابات الرئاسية، وليس هو بالشخص الذي يمكنه أن يغامر بهذا القرار، لاسيما وأنه بمجرد أن أعلن قراره استبيح على نحو لافت، وتطاول عليه "غلمان الانقلاب" في فضائيات الثورة المضادة، وجرى الحديث عن فساده!.

لقد أخبرني زميل، أنه دُعيَ لكي يكون ضمن حملة الدعاية للفريق عنان، ثم تلقى اتصالاً هاتفياً يعتذر له لأن الفريق جاءته دعوة للسفر للمملكة العربية السعودية، وفي الحرم استقبله زميل كان هناك للعمرة بسؤال واضح حول إن كان مستمراً في قراره؟.. فقال له بثقة: طبعاً.

وهناك الفريق شفيق الذي يجد ترشيحه هوى إماراتياً، والإمارات قالت أكثر من مرة أنها تتمنى أن يستمر السيسي وزيراً للدفاع، مرة على لسان ضاحي خلفان، والأخيرة على لسان الشيخ محمد بن راشد!.

في ورشة عمل شاركت فيها مؤخراً، قلت إنني مؤمن بأن الانقلاب قد فشل، لكني أتخوف من إعادة تدويره، بتحميل السيسي كل الاتهامات من قتل المتظاهرين، إلى الانقلاب على الرئيس، ونجد أنفسنا أمام مرشح من دوائر الانقلاب يكون خلافنا معه سياسياً، على العكس من السيسي الذي يقوم خلافنا معه وفق نصوص القانون الجنائي!.

قلت إنني على يقين، من أننا سننجح في إفشال المخطط الجديد جماهيرياً، لكن الدوائر الغربية ستحتاج إلى ستة شهور أخرى لتعلم أن الثورة المصرية لن تقبل بأقل من عودة الشرعية.

لكن ها هو السيسي، يبدو قاطعاً للطريق أمام هؤلاء، فيدفع بالشعب وبالجيش أيضاً ليكون في المواجهة، ليكون كلامه لهم إن الشعب يريدني وكذلك الجيش!.

القصة لم تتم فصولاً، ومؤكد أن السيسي لو استمر في قراره بالترشح سيفقد دوائر الانقلاب المؤيدة له، وسيكون مطالباً بأن يتحمل مسؤولية الانهيار الاقتصادي بمفرده، ولن يجد بطبيعة الحال من يدافع عنه باعتباره مجرد وزير وأن من يحكم مصر الآن هو الرئيس عدلي منصور ومعه حازم الببلاوي.

السيسي يقفز خطوة للأمام، دون أن يعلم أنها قفزة في المجهول.

الجمعة، 10 يناير 2014

عندما أطعم العسكر أفواه المصريين القدماء… فاستحت الأعين! / سليم عزوز



في زمن المصريين القدماء، كان هناك مثل شائع، وهو ‘اطعم الفحم تستحي العين’، وقد جرى عليه تحديث بمرور الوقت، فلم يعد إطعام الآخرين يعني استدعاء الحياء، ليكون ملاصقاً للعيون، إذ جاء النص الانتهازي البليغ الذي يليق بهذا الزمن: ‘كل أكل صديقك لكي تسره، وأكل عدوك لكي تضره’.. حيث أننا في زمن الفهلوة!
ومن المعروف أن قادة الانقلاب في مصر، ومن التحق بهم من غير أولي الإربة هم قوم ماتوا وشبعوا موتاً، وهم في مرحلة عذاب القبر الآن، فهم ينتمون للزمن الجميل، عندما كان إطعام الفم كفيل بأن يدفع العين لأن تستحي، وتعلمون بطبيعة الحال أن المصريين القدماء قد تفوقوا في علم التحنيط، وهو الذي حفظ لنا حازم الببلاوي ورفاقه إلى الآن من التحلل، ولهذا عندما وقع الانقلاب كانوا جاهزين لخدمته، وهو الذي أخذ على الرئيس محمد مرسي أنه لم ينصف الشباب، الذين كانوا قادة ثورة يناير، فجاء الانقلاب لينصفهم بالانحياز إلى شباب الحرب العالمية الأولي، ويكفي أن تشاهد الثلاثي: الببلاوي، وحسام عيسى، وأمين المهدي، لتقف على هذه الحقيقة المذهلة، التي تتمثل في انحياز انقلاب 30 يونيو/حزيران للشباب.
قبل سنوات شرحت هنا ‘قصة البو’، والتي هى كفيلة بأن نقف على أن علم التحنيط وصل إلينا من أجدادنا على عكس الشائع، من أن البشرية لم تقف على سر التحنيط إلى الآن، وكنت عندما يدرسون لنا في المدارس ذلك أقول كيف هذا؟… ونحن نعرف ‘ البو’.
من عاشوا في الريف المصري من أمثالي، لابد أن لهم دراية بفنون تربية الماشية، وعليه فإنهم يعلمون أن الجاموس، يمكن ترويضه يدوياً، فيدر لبناً لذة للشاربين بدون حضور مولوده على عكس الأبقار، التي لا تفعل هذا سوى للمولود السعيد، بعدها يتدخل العنصر البشري ليحصل منها على ‘المحصول اليومي’ من بين فرث ودم!
وقد يحدث أن ينزل جنين بقرة ميتاً، وقد يموت بعد مولده، وهنا يجري تحنيطه، بتفريغ أمعائه، ووضع تبن وملح فيها وصلب أقدامه بواسطة عُصي، فتظن ‘الوالدة’ انه على قيد الحياة، وما هو على قيد الحياة!
المصريون القدماء، الذين وسد الأمر إليهم في عهد الانقلاب، وتصدروا المشهد السياسي، ولأنهم ‘دقة قديمة’ فإنهم لا يزالون يؤمنون بالحكمة الغالية: ‘اطعم الفم تستحي العين’، وقد أطعمهم المجلس العسكري من جوع وآمنهم من خوف، فأقدموا على جريمة كبرى تضاف إلى سجل الجرائم الحافل، الذي بدأ باغتصاب إرادة الشعب والسطو على حكم البلاد بقوة السلاح، على النحو الذي اعترف به الدكتور محمد أبو الغار، في مقابلة على قناة ‘التحرير’ لم أنتبه لها إلا عندما احتفى بها برنامج ‘جو تيوب’، ذائع الصيت هذه الأيام.
حديث الناس
لا أدعي أنني تابعت كل حلقات هذا البرنامج الذي هو حديث الناس، وكان يبث عبر ‘اليوتيوب’، قبل أن تفوز ببثه قناة ‘الجزيرة’ و ‘الجزيرة مباشر مصر’، وهو برنامج فكاهي، ربما استلهم بدايته من بداية برنامج ‘البرنامج’، عندما كان يعمل في المطلق، وقبل أن يحصر نفسه وفق أجندة صاحب المحطة التي يعمل بها، ويصبح ضمن الإعلام الموجه الذي قاد الانقلاب على الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي.
أحد الزملاء نبهني إلى حلقة ‘جو تيوب’ عن الدستور، فاستدعيتها واستمتعت بمشاهدتها، وإذا بي أقف أمام اعترافات الدكتور أبو الغار، وهو عضو لجنة الخمسين، ورئيس الحزب الاجتماعي الديمقراطي.. الخ… الخ!
فجر أبو الغار على قناة ‘التحرير’ قنبلة لم يتم التعامل معها بجدية، عندما قال أنهم بعد انتهاء مناقشتهم في لجنة الخمسين على مشروع الدستور، دعاهم المجلس العسكري الحاكم على العشاء، وبعد أن أكلوا، وغسلوا أيديهم، ومروا بحالة الاسترخاء الذهني المعروفة، وزعوا عليهم ‘المقرر الدراسي’، الذي يتمثل في نسخة ‘ شيك’ من الدستور، غير النسخة التي في حوزتهم من حيث الشكل، وقالوا لهم أن هذه النسخة التي ستقومون بتسليمها للرئيس!
في ‘فقه الأفراح’ فإن أصحاب السوابق في هذا المجال، لا يقدمون الطعام للحاضرين، إلا قرب النهاية، وقبل ‘الوصلة الأخيرة’، ذلك بأن الحضور الكريم يكون في أعلى درجات النشاط، قبل الأكل، وبحضور سيد الطعام والانتهاء من التعامل معه ينزل ‘سهم الله’، على ‘المعازيم’ فلا يتجاوبون مع اعتى الأغاني استدعاء لجينات الطرب ولو كانت أغنية ‘العنب’، ولو أغنية ‘أركب الحنطور’، لخالدة الذكر ‘أمينة’، التي تزوجت ورأت أنه من غير المناسب، أن تظل مغنية و’راقصة بلدي’، فظنت أنها يمكن أن تكون على مقاس مطربات الأوبرا… ففشلت بالطبع.
الخمول اللارادي
عندما تم توزيع ‘المقرر الدراسي’ على لجنة الخمسين، كان أعضاء اللجنة في مرحلة ‘الخمول اللإرادي’، ولا أعرف متى ذهبت السكرة وحلت الفكرة، ووقف القوم على أن هذا المشروع من حيث الموضوع غير المشروع الذي ظلوا أياماً وليالي يناقشونه في جلسات سرية ممتدة، ثم صوتوا عليه، قبل أن يتسلموا نسخة مغايرة، ويقال لهم وهم تحت سيف الحياء بعد ‘طفح السم الهاري’، هذه هي النسخة التي ستقومون بتقديمها لسيادة الرئيس، وكلنا شاهدنا اللحظة التاريخية الحاسمة في تاريخ المنطقة، عندما انتصب عمرو موسى، وسلم الرئيس ‘المعين’ نسخة من مشروع الدستور، وبهذه المناسبة العطرة انتصب الرئيس خطيباً، وتحدث ضيوف برامج ‘التوك شو’ على فضائيات الثورة المضادة على أنغام أغنية ‘الليلة عيد’.
أعترف بأن المقطع الذي يحمل كلام الدكتور أبو الغار كان موجوداً على مواقع التواصل الاجتماعي، لكني لم اصدق أنه يمكن أن يقول هذا الكلام المكتوب على لسانه، ولي خبرة عريضة مع هذه المقاطع، جعلتني لا أسلم بالكلام المكتوب، باعتباره تعبيراً عما ورد فعلاً على لسان المتحدث في المقطع!
ومنذ أكثر من عام، دفع لي أحدهم بمقطع للشيخ راشد الغنوشي، هو جزء من مقابلة له على احدى الفضائيات التونسية، استمعت إليها فركبني العصبي، ووضعتها على صفحتي على ‘الفيس بوك’ مع التعليق المناسب، وفي ثوان كان حجم الهجوم عليه كبيراً.
في المقطع تحدث الغنوشي مستنكراً الذين يطالبون بتعويضات لشهداء الثورة ومصابيها، وقال من قال لهم أن يخرجوا للثورة؟ من قال لهم يموتون فيها؟… وحدث أن تلقيت رسالة من صديق تونسي، يخبرني فيها أن يدا عابثة اقتربت من النص الأصلي فحذفت منه جملة تفيد أن هذا كلام الفلول وخصوم الثورة، وأن الغنوشي يهاجمهم، ودفع لي بالفيديو الاصلي قبل أن تقترب منه اليد سالفة الذكر.
وبعد ذلك حدثت مواقف كثيرة معي من هذا النوع، عندما يضع أحدهم فيديو ويكتب ما جاء فيه توفيراً للوقت والجهد، وبالاستماع إليه نكتشف أنه لا شيء فيه من المكتوب… وأحد المنتمين للثورة المضادة كانت متخصصاً في ذلك وهو يعتمد على أنني لن استمع الى المقطع!
ولهذا كله، فلم أصدق المنسوب للدكتور محمد أبو الغار، ولم اكترث بالفيديو الشائع الى ان استمعت إليه عبر ‘جو تيوب’، وهالني ما سمعت، وهالني أكثر أن استمع بعد ذلك لعضو احتياطي باللجنة، واستمعت لمن يخاطبها تلفزيونيا بالآنسة، مع أنها ‘مدام’، وقد تحدثت لحد الملل عن دور لجنة الخمسين التي تعبر عن الشعب المصري بكل أطيافه، وقد جاءت بدستور يعبر عن هذا الشعب!
أضحكني وهي تتحدث من ‘المقرر الدراسي’ وتتلو محفوظات من كتاب المطالعة، مقللة من مشاركة حزب ‘الحرية والعدالة’، حزب الأغلبية، فقالت أن الإسلام يعبر عنه الأزهر وليس جماعة ‘الإخوان المسلمين’، وكأن لجنة الخمسين هذه كانت اجتماعاً للطوائف الدينية، ولهذا فان مثلي يتساءل ولماذا لم يتم اختيار ممثل عن الدروز؟!
لا أعرف ما اذا كانت المتحدثة ضمن ‘وليمة’ المجلس العسكري، أم أن كونها تلعب في الاحتياطي حال دون حضورها، وأن الاجتماع كان للاعبين الأصليين فقط، لكن اللافت وأنها في مرحلة عمرية يعد فيها الالتباس بين مدام وآنسة طبيعياً، أنها ليست من جيل الأجداد حيث الشعار المعتمد: ‘أطعم الفم تستحي العين’، لكنها من جيل الأحفاد حيث ‘كل أكل حبيبك لكي تسره وأكل عدوك لكي تضره’.
ما علينا، فمن الواضح أنها كانت حاضرة ‘الوليمة’، بئس ‘الوليمة’، لكن العدوى للجيل الجديد قد انتقلت بالاحتكاك المباشر، فاعتمدت شعار المصريين القدماء، فمن عاشر القوم أربعين يوماً صار منهم، وعلينا أن نؤكد أننا كنا نعتقد أننا في مرحلة ‘الطرطور’ الواحد، فإذا بنا نكتشف أننا في زمن الطراطير.
بالمناسبة أين اختفى محمد سعيد الصحاف، ليتحفنا بخطاب جديد عن العلوج والطراطير والمطايا.
أرض جو
نمت على ‘المشهد المصري’ على قناة ‘الجزيرة’ واستيقظت عليه في ‘الإعادة’ وقبيل كتابة هذه السطور، وفيه استمعت للأستاذة مها أبو بكر وهي تتحدث عن سعادة المستشار عدلي منصور، وكيف أنه جاء بالإرادة الثورية… أول مرة أعرف ان الإرادة الثورية كانت تعرف عدلي منصور.
مع خالص احترامي للجميع فإن رئاسة المحكمة الدستورية العليا لا ترتب وضعاً مستقلاً لمن يشغله لكي تعرفه الإرادة الثورية، فنحن نعلم، والجنين في بطن أمه يعلم، أن الرئيس المخلوع مبارك عبث في هذه المحكمة بتعيينات من خارجها بعد رئاسة المرحوم عوض المر.
في فيلم لساندرا نشأت خاص بالاستفتاء على الدستور جاء من يقول انه سيقرأ الدستور ليحدد موقفه منه بنعم أو باه، مع ان نعم هي آه، فكلنا نعلم أن ‘لا’ محرّمة مع دستور الانقلاب. سلامتك من الآه.

الثلاثاء، 7 يناير 2014

الدرس! / سليم عزوز



لست مع القائلين بأن ما جرى يوم 30 يونية كان مجرد مظاهرات احتجاجية، وأن الانقلاب كان يوم 3 يولية، ففي الواقع أن هذا مقدمة لذاك، وملامح الانقلاب تبدت للناظرين، منذ الدعوة إلى مظاهرات 30 يونية!

والذين شاركوا في الانقلاب من المنتمين، لثورة يناير، كانوا يعلمون منذ البداية، أنهم ليسوا أكثر من غطاء ثوري للثورة المضادة، وهم خرجوا مع الفلول وقتلة الثوار منذ اللحظة الأولى، ويعلمون أن الهدف هو إسقاط حكم الرئيس المنتخب، والعودة إلى نظام مبارك الذي ينتمي إليه الانقلابيون، ولم يكن "أولادي المغرر بهم" مشغولين بالثورة وإنما كانوا يتحركون بدوافع الانتقام من حكم الرئيس محمد مرسي، ليس لأنه لم ينتصر لأهداف ثورة يناير، لأن هذا يعني أننا نفترض فيهم السذاجة ونتصور أنهم كانوا يظنون أن السيسي هو المنحاز لهذه الثورة ولأهدافها!

فالمسألة وما فيها، أن هناك من كانوا يريدون من حكم الرئيس مرسي أن يمكنهم من صدارة المشهد، ومن تخطي الرقاب، ولأنه لم يفعل قيل "يا داهية دُقي" !

لكن الذي حدث أن السحر انقلب على الساحر، وكأني بـ "أولادي المغرر بهم" يهتفون: ولا يوم من أيامك يا مرسي. فالحاصل أن الانقلابيين قرروا تصفية انقلابهم من هؤلاء الذين شاركوا في ثورة يناير ولو بشَطر كلِمة!

الحرب لم تنته بإحالة مجموعة من النشطاء، ومن حركة السادس من أبريل وغيرها، للمحاكمة، فقد تنتهي هذه الأزمة بحكم يخلي سبيلهم، بعد أخذ تعهد غير مكتوب عليهم، بأن يلتزموا حدود الأدب، لكن أهم ما في هذه الحرب هو عملية الإبادة الإعلامية، والتي تمثلت في تسريبات لبعضهم لا يوجد فيها ما يشين، لكن جرى توظيفها، على عكس ما تحمل، وقد أعيد الحديث من جديد، عن التمويلات الأجنبية للبعض، وهو أمر من شأنه أن يفقد الثقة والاعتبار في هؤلاء الشباب.

لقد تم الترويج لقائمة بأسماء بعض النشطاء، وقيل إنهم تلقوا تمويلاً أجنبياً، من الولايات المتحدة الأمريكية بالأساس، وقال أحد الإعلاميين المقربين من دوائر الانقلاب في الداخل، وفي الخارج (الإمارات تحديداً) بأن جهات التحقيق بدأت بالفعل التحقيق في هذه القضايا، واللافت أن تحقيقات لجهات قضائية مستقلة، لا يتم الإعلان عنها من قبل هذه الجهات، ولكنها تعلن من قبل إعلامي بعينه، فلا تستشعر هذه الجهات الحرج، فترد عليه، أو تعلن حقيقة الموقف!.

ملف التمويل الأجنبي، فتح في عهد المجلس العسكري، من أجل التشهير بثورة يناير، ويلاحظ أن الإعلام احتفى بنشطاء التمويل الأجنبي، وقدمهم على أنهم شباب الثورة، وأولياء أمورها، والذين كانوا يسافرون للخارج لتمثيلها، وكتبت أكثر من مرة متسائلاً عن من الذي أعطى هؤلاء الحق للحديث باسم ثورة نعلم أنها أفرزت مطالب ولم تنتج زعامات؟.. وبعض الحركات السياسية قالت منذ البداية إنها لن تشارك في مظاهرات يوم 25 يناير، بل إن واحدة مثل الناشطة إسراء عبد الفتاح أعلنتها صريحة أنها لن تشارك، ومع هذا تحولت إلى زعيمة من زعماء الثورة.

كان رأيي أن هؤلاء الشباب يمثلون الحلقة الأضعف في جسم الثورة المصرية، التي هي ثورة شعب، وأن اختزال الثورة فيهم، يسهل عملية ضربها وتشويهها، ولم يكن أحد مستعداً للاستماع إلى تحذيراتي، لدرجة أن زميلة صحفية، كانت معنا على "خط النار" في مواجهة نظام مبارك، نصحتني كتابة بترك الشباب يسعد، ويسافر، فجيلنا سافر، وشبع سفراً، ومن حق هؤلاء الشباب أن يسافروا. عندها استشعرت أن أحداً لا يقدر خطورة الموقف.

وعندما انتهى شهر العسل بين هؤلاء النشطاء والمجلس العسكري وحكومته، جرى فتح ملف التمويل الأجنبي إعلامياً في سياق التشهير بالثورة المصرية، والنظر إلى الدعم الذي قدم لبعض النشطاء، على أنه كان مساعدات أجنبية للتمهيد للثورة المصرية!.

في لحظة طيش، غير مفسرة إلى الآن، قدم حكم المجلس العسكري عدداً من النشطاء غير البارزين للمحاكمة بتهمة تلقي تمويلات أجنبية، وكان معهم مجموعة من الأمريكيين، وصدر قرار قضائي بحبسهم على ذمة التحقيق، وهنا غضب البيت الأبيض، وهبطت طائرة أمريكية في مطار القاهرة لتقل المتهمين الأمريكيين، وما لم ينشر أن هذه الطائرة كانت لديها أجهزة تشويش أوقف حركة المطار، فكان قرار تغيير القاضي الذي أصدر الحكم السابق بقاض آخر أصدر حكماً بالإفراج، وكانت فضيحة مدوية نالت من سمعة القضاء المصري، الذي يحلو للبعض أن يقدمه على أنه قضاء مستقل يعمل بمعزل عن ضغوط السلطة التنفيذية!.

عندما نُقل قرار حبس المتهمين الأمريكيين على خلفية قضية التمويل الأجنبي إلى الرئيس المعزول مبارك في محبسه، قال أنه يستبعد أن يكون المشير محمد حسين طنطاوي هو من فعلها، لأنه يعلم أن تمويل منظمات المجتمع المدني شرط لتقديم مساعدات من الجهات المانحة للحكومة المصرية!.

في اعتقادي أن هذه القضية كانت بفعل الأجهزة الأمنية التي توحشت في هذه الأيام، والتي لديها عداء مع كل مكونات ثورة يناير، لذا فقد رأت في هذه القضية ما يمكنها من التشهير بهذه الثورة، من خلال تشويه بعض المحسوبين عليها، وتقديمهم للرأي العام على النحو الذي كان يروج له إعلام مبارك، على أنه ثورة تمت بدعم أجنبي خالص.

في فترة حكم الرئيس محمد مرسي، لم يتم استخدام ملف التمويل الأجنبي للتشهير بهؤلاء النشطاء، على الرغم من أنهم كانوا يناصبون حكمه العداء، وبعضهم تجاوز حد النقد بنوعيه المباح وغير المباح، وتحول إلى جزء من حركة البلطجة التي كانت تعتدي على الإخوان ومقارهم، ودعت إلى اقتحام القصر الجمهوري، وإسقاط الرئيس المنتخب بالقوة، إذ كانت السماحة مقدمة على الغضب في حكم هذا الرجل، ولا أقول هذا من باب الإشادة به، فهذا التسامح الذي كان في مواجهة الخارجين على القانون، مَثـَّل إهانة لموقع رئيس الدولة المصرية، على يد رجل لم يميز بين الدعوة وإدارة الدولة، فحكم بالحكمة والموعظة الحسنة.

لقد جاء يوم 30 يونية، وإذا بهؤلاء النشطاء ينضمون إلى الثورة المضادة، في لحظة كاشفة عن أن إيمان كثيرين في مصر بالديمقراطية ليس حقيقياً، وأن كل الرفض السابق لحكم العسكر، كان قائماً وفق معايير "السَّبوبَة" كما نقول في مصر، فهؤلاء الذين هتفوا من قبل ضِد حكم العسكر، ها هم ينحازون للعسكر، وهؤلاء الذين طالما دافعوا عن الحريات تحولوا إلى أدوات في يد الاستبداد ليزينوا له سوء عمله ليراه حسناً.

ومن المفارقات العجيبة، أن حركة السادس من أبريل جمعها اجتماع مع الرئيس المعيَّن عدلي منصور، وطالبت بتمكينها للسفر للخارج لإقناع الغرب، لما بينه وبين الحركة من صلات، بأن ما جرى في مصر هو ثورة وليس انقلاباً، وتراجعت السلطة الجديدة عن عملية التسفير، بعد أن دب خلاف بين عناصر الحركة حول من هو الأجدر بالسفر؟، فقد كان هناك اعتراض على سفر "أحمد ماهر" باعتباره كان في وقت من الأوقات مقرباً من حكم الإخوان. ولنا أن نعلم أن الحركة تعرضت في السابق، لما يمكننا أن نطلق عليه: "فتنة السفر" ، فعقب تأسيسها، وجهت السفارة الأمريكية الدعوة لإسراء عبد الفتاح لزيارة واشنطن، لكن هناك من أرسلوا للسفارة يعربون عن احتجاجهم على الدعوة على أساس أنها لا تمثل الحركة وأنهم أولى بالسفر منها، وعليه فقد وجهت السفارة الدعوة لأكثر من عضو!.

منذ أن كان الانقلاب فكرة، خاطبت الشباب المحسوب على الثورة بـ "أولادي المغرر بهم" ، وهي عبارة للسادات في تعامله مع شباب الجماعات الدينية التي كانت تعارضه، وكان رأيي، أن الانقلاب يريدهم لما عبرت عنه بالقول "لمسافة السكة" ، فعندما يصل إلى ما يريد سوف يتخلص منهم سريعاً، لأن هذا الانقلاب جاء ليعيد دولة مبارك، وهو لديه عداء مستحكم مع كل مكونات ثورة يناير وكل من يمت لها بصلة، أو بأدنى صلة، وأنه فقط يريدهم مجرد غطاء ثوري لثورته المضادة، ليدخل الغش والتدليس على الرأي العام بأن ما يرتب له يمثل امتداداُ لثورة يناير والدليل هو وجود هؤلاء الشباب معه.

الجنين في بطن أمه كان يمكن أن يفهم هذا بسهولة، فقد كان تغير "رفقاء الميدان" هذه المرة، فكانوا فلولاً ومن يمثلون الدولة القديمة، وكان الأمر معروفاً مسبقاً ولهذا طالب حمدين صباحي المرشح الرئاسي السابق، أنصاره بألا يسأل أحدهم في يوم الثورة 30 يونية من يقف بجانبه إن كان من الفلول، وقال: إن خلافنا مع الفلول ثانوي أما مع الإخوان فالخلاف جذري!.

وفي يوم 30 يونية دخل وزير الداخلية الأسبق ميدان التحرير مع لفيف من الضباط، وهم يهتفون: "ثوار.. أحرار" ، وهو المتهم بقتل الثوار في شارع محمد محمود، ومن المفارقات المدهشة، أنه جرى اختيار مستشار أمني للرئيس في نفس القرار الذي شهد تعيين الدكتور محمد البرادعي نائباً لنفس الرئيس، مع أن البرادعي سبق له أن تقدم ببلاغ للنائب العام يتهم فيه وزير الداخلية بقتل الناشط "جيكا" !.

الأمور كانت واضحة من البداية بأنها ثورة مضادة، لكن البعض تفوق عندهم العداء للإخوان على الانحياز للثورة.

ومنذ البداية كانت هناك دوائر في الانقلاب، ترفض وجود هؤلاء في مشهدهم الخاص بهم وفي ثورتهم، حتى وإن مثل وجودهم مبرراً للاستهلاك المحلي والدولي، ومبكراً جرى التسريب على نطاق واسع لبلاغ قيل إنه تم تقديمه للنائب العام، وأن النائب العام شكل لجنة للتحقيق السري في البلاغ الذي تضمن اتهامات لهؤلاء النشطاء بالتمويل الأجنبي والتخابر، وظلت برامج "التوك شو" تتحدث عن ذلك لمدة أسبوع تقريباً، قبل أن تطالعنا جريدة "الوطن" القريبة من الدوائر الانقلابية، موضحة أنه لا يوجد بلاغ ولا توجد تحقيقات سرية أو علانية، وأن جهة أمنية سيادية (لم تسمها) هي من تقف وراء هذه التسريبات!.

في هذه الأثناء فإن تصريحاً صدر من مكتب النائب العام ينفي فيه ما نشر، واللافت أنه جاء متأخرا.

بعد الانقلاب نسمع عن ظاهرة الخلاف بين الأجهزة الأمنية، وكل جهاز يريد أن يكون بيده عقدة الأمر، لكن المؤسف له أن يتم استخدام جهات التحقيق في هذا الصراع.

لقد بدا واضحاً في الآونة الأخيرة، أن سلطة الانقلاب ضاقت ذرعاً بتمثيل دور التعبير عن ثورة في نفسها منها شيء، وهي ثورة يناير، وذلك على الرغم من أن هؤلاء النشطاء كانوا مع الانقلاب في كل أفعاله وإجرامه، فحتى المذابح التي جرت في "رابعة" و "النهضة" و "رمسيس" و"النصب التذكاري" و "الحرس الجمهوري" لم تؤرق وجدان ثوار آخر الزمان، وبعضهم حرض على هذه المجازر، وبعضهم صفق لها، ولم يروا مشكلة في دستور يكرس من هيمنة المؤسسة العسكرية على الحكم، ولم ينزعجوا لتمكين المحاكم العسكرية من المدنيين!

مع كل هذا بدأت عملية توجيه الإهانة لهؤلاء النشطاء في البرامج التلفزيونية من خلال ضباط شرطة متقاعدين، هددوا بضربهم بالأحذية وما إلى ذلك، أحدهم قال إنهم لم يروا جبروت الدولة إلى الآن!.

لقد أراد هؤلاء الشباب وفي مواجهة عملية غلق أبواب الانقلابيين في وجوههم أن يقدموا صورة تقوم على التمايز لا التماهي، فخرجوا يتظاهرون ضد قانون تنظيم التظاهر وتجريمه، مع أنهم تجاوزوا الكثير من الإجراءات القمعية وليس آخرها القانون الذي جعل الحبس الاحتياطي مفتوحاً، ليكون السجن ولو لأبد الدهر!.

وقد قدموا "عربون محبة" للانقلاب، أكدوا فيه أن الوصال قائم، وتمثل في تهديدهم للإخوان إن شاركوا في مظاهراتهم، ثم الاعتداء على من قالوا أنهم من الإخوان في ميدان التحرير، ثم هتافهم ضد الإخوان، فجرى الاعتداء عليه من قبل الشرطة، ثم قدموا عدداً منهم للمحاكمة.

والآن نسمع من جديد عن فتح ملف التمويل الأجنبي، وهو وإن لم تصدر بشأن الممولين أحكام رادعة فالمستهدف هو التجريس باعتباره يمثل عقوبة، وعندي يقين أن كل هذه الممارسات العنيفة من قبل سلطة الانقلاب ستدفعهم لمزيد من الانبطاح لكن ذلك لن يشفع لدى الانقلابيين من أن يتخلصوا منهم تماماً، حتى وإن لم يكونوا قد تظاهروا أو غضبوا.. فالتخلص منهم مطروح على جدول أعمال الانقلاب مبكراً.

لقد انتهى شهر العسل سريعاً.

الأربعاء، 1 يناير 2014

تسريبات السيسي.. هل أفادته حقاً! / سليم عزوز




فجأة وبدون مقدّمات، طالعتنا وكالة "أسوشيتد برس"، بتقرير يُفيد بأنّ التسريبات الخاصّة بالفريق عبدالفتاح السيسي أفادته، ولم تُقلل من شعبيّته، وعلى نحو يُمكن لمن قرأ هذا التقرير، أن ينتظر أن يُعيد التلفزيون المصري الرسمي، إعادة بثّ هذه التسريبات من جديد، لعموم الفائدة، قبل أن يقف على أنّ ما ذكره هذا التقرير يأتي على قاعدة: " يا عوازل فلفلوا"، وهو يستهدف التقليل من حجم طلقة الرصاص التي استقرّت في قلب شعبيّة وزير الدفاع المصري، فأسقطت عنه الهيبة والأسطورة!.

أعلم أن البعض لا يزال مصاباً بعقدة الخواجة، وهي عقدة ترسّخت في هذا المضمار قديماً، عندما كنّا نضع أذاننا على سماعات الراديو، لنستمع إلى أخبارنا الداخلية عبر "هنا لندن"، و " صوت أميركا"، وكما لو كانت " المصداقية" هي بالجزم حليف إعلام " الخواجات"، ولهذا كان النظام في عهد مبارك، يدفع ملايين الجنيهات لنشر إعلانات تسجيليّة في صحف أجنبيّة مقدّرة، ليُعيد نشرها في وسائل الإعلام الداخليّة، ليستقرّ في وجدان المواطن المصري، حجم الجهد الذي يبذله أهل الحكم من أجل إسعاده، وهو جهد مقدّر غربيّاً، وإن لم يشعر به المواطن المصري فهو ولا شكّ، له علاقة وثيقة بخلل في إنزيمات السعادة لدى المواطن، الذي درج على النكد، فلا يُولد المصري إلا توأماً، هو والنكد، في " طلقة واحدة".

ليس خافياً على المراقب أن عمليّة الاحتواء، قد تمّت للإعلام الذي يعمل في القاهرة، بعد الانقلاب، فلم نعد نُفرّق بين تقرير لوكالة أنباء بحجم "رويترز"، أو وكالة أنباء الشرق الأوسط التابعة للسلطة المصريّة، وفي هذه الأجواء الغريبة، يُصبح مضحكاً، عندما نسمع عن مديرة لأحد مكاتب الصحف المصريّة بالقاهرة، عندما تدخل مكتبها في صباح كل يوم، بوصلة سباب في مرسي والإخوان، في صالة المكتب، وهي رسالة للعسس، الذين ربّما ليس لهم وجود، ولكنه أخذاً بالأحوط، ويكون المشهد اليومي المتكرّر مفتعلاً، وبلا سياق طبيعي، وبشكل يُوحي كما لو كان محمد مرسي هو طليقها، الذي "دوّخها" في المحاكم!.

لست متابعاً لتقارير "أسوشيتد برس"، لكن مثلي لا يُمكنه أن يُسلم بنتائج هذا التقرير الخاص بأنّ شعبيّة الفريق أول عبدالفتاح السيسي لم تتأثر بفعل التسريبات، التي نالت من شعبيّته، غير المبرّرة من وجهة نظري، فقد نجح الإعلام في أن يخلق منه أسطورة، انتهت بفعل هذه التسريبات، التي وضعته في حجمه الحقيقي، وهو أنه ليس أكثر من قائد جند متمرّد، رأى فيما يرى النائم أنه سيُصبح رئيساً، فأخذ الوطن كله رهينة لتحقيق هذه "المنامات" غير الواقعيّة فما أدرانا فربّما كانت كوابيس وأضغاث أحلام!.

تذكرون بطبيعة الحال عمليّة تسويق السيسي، على أنه جمال عبدالناصر، وأنه ديجول، وتذكرون ما قاله أديب بحجم علاء الأسواني، لكاتب بحجم روبرت فيسك، إن السيسي هو أعظم قائد عسكري بعد أيزنهاور؟.. وأعتقد أن علاء لو قال الآن ما قاله في بداية الانقلاب، لمثل حالة من المسخرة بفضل هذه التسريبات، هذا ناهيك عن تقديم السيسي على عبدالناصر أو ما شابه!.

في السياسة إذا أردت أن تحطّ من قدر إنسان، وجّه له الإهانات الشخصيّة، بشكل يُنزله من أعين العامّة، وما الحكم إلاّ هيبة؟!، وهذا ما فهمه إعلام الثورة المضادّة، فعمل على إسقاط هيبة الرئيس محمد مرسي لتمهيد الأجواء لإسقاط حكمه، فأيّ تصرّف منه يكون عرضة للسخرية ليلة كاملة عبر فضائيّات الفلول، وفي برامج "التوك شو" التي يُقدّمها من صنعهم نظام مبارك على عينه، وفكر جمال مبارك في استخدامهم في تسويق عمليّة التوريث، عندما تدقّ ساعة العمل.

ينظر مرسي في ساعته، وهو في مؤتمر صحفي، وفي تصرّف يحدث كثيرًا من غيره، فنظلّ ليلة كاملة في حالة هجاء للرئيس، الذي أساء لمقام الرئاسة، ولموقع الرئيس وباعتبار أن من شرّف الموقع هو حسني مبارك!

ويخطب الرئيس فيسخرون منه، ويُصلّي فتكون صلاته سبباً في وصلة سخرية ممتدّة، يُهدّد فيسخرون، ويحتوي فيسخرون، على النحو الذي حدث في أزمة سد النهضة، وكنّا أمام حرب إبادة إعلاميّة بمعنى الكلمة، وبعد أن نجحوا في ذلك انتقلوا خطوة أخرى إلى القول: "مصر كبيرة عليك"، وهي الدعاية المضادّة التي استثمروها في تدشين زعامة الفريق السيسي، باعتباره هو القادر على شغل الفراغ الذي تركه مبارك، كما لو أنّ مبارك كان زعيماً حقاً، ومن عجب أن من ردّد هذا الكلام كالبغبغاء، الذي عقله في أذنيه، هم من كانوا ينتمون للثورة، وكأنهم قادمون من البيوتات الكبيرة!.

مع أنّ مبارك قزّم مصر، وقزّم موقع الرئاسة، ولم يكن أكثر من عميل يعمل لصالح من يدفع له بشكل شخصي، فلم يكن مشغولاً لا بتاريخ ولا بجغرافيا، وثمن ما فعله من أجل أن تكون مصر تابعة ذليلة، كان يروي في بعض الدول العربية بتفاصيل الوقائع، في حملة السخرية من المصريين!.

السيسي، لم يكن سوى اختيار من قبل اثنين، حسني مبارك الذي رقاه إلى درجة اللواء، وجعله رئيساً للمخابرات الحربية، وهو ليس ابن هذا الجهاز للعلم، فقد جلبه من جهاز آخر، وانظر إلى خيارات مبارك كلها، لتعلم أنه عندما يختار أحداً فإن هذا ليس لمؤهلات إيجابية، وقد كان حسني مبارك لديه "عقدة نفسية" تجاه أي إنسان، يحترم نفسه، ولا تمثل "الفلوس" ثمناً له.

الثاني، الذي نفخ في السيسي من روحه، كان هو الرئيس محمد مرسي الذي رقاه من لواء إلى فريق، ثمّ إلى فريق أوّل وعيّنه وزيراً للدفاع، ومن عجب أن كثيرين يرفضون مبارك وخياراته ومرسي وخياراته، ثم ينظرون إلى السيسي بمعزل عمّن اختاره ودفع به ليتخطى الرقاب.

عسكريّاً، فإن السيسي لم يدخل معركة حربيّة، ولهذا كان المدهش هو مطالبة البعض بترقيته لرتبة الفريق، وهي رتبة تعطى على اسم حرب بعينها خاضها من مُنحت له، اللهم إلاّ إذا كان مجزرة رابعة والنهضة، مواقع حربية كبرى في نظر هؤلاء.

الهجوم على الرئيس مرسي استهدف تشويهه والحطّ من قدره، وجاءت هذه التسريبات لتُؤدّي نفس الغرض، فأنزلت السيسي من مقام الأسطورة، فإذا بالمأخوذين به، يقفون على أنه ليس أكثر من شخص حلم بالسلطة، وسعى لها سعيها، وهو مؤمن بأنه الرئيس القادم استناداً على " منامات" رآها، وأخذ الوطن كله معه في تحقيق هذه " المنامات".

فلم يكن هو سوار الذهب الذي دفعته ثورة الشعب، لأن يخون قسمه للرئيس جعفر النميري الذي اختاره وزيراً للدفاع، فتصرّف على أن الضرورة تُقدّر بقدرها، فاستجاب لثورة الشعب وتولى الحكم، ثمّ سلم السلطة إلى الشعب في أقرب انتخابات، لم يخضها ولكنه أشرف عليها، وحرص على نزاهتها، وغادر وقد دخل التاريخ من وسع أبوابه.

التسريبات أسقطت عن السيسي ورقة التوت التي تستر العورات، ليُفاجأ المعجبون به أن خليفة عبدالناصر، الذي يرى السادات في منامه، لم يقل أبداً ما يمثله عبدالناصر له من قيمة، وكل خصوم عبدالناصر هم من يُساندونه في انقلابه، فالغرب الإمبريالي، ومن يُمثلون الرجعيّة محليّاً، وهكذا "عشنا وشفنا" هذه الرجعيّة كما كان يُطلق عليها عبدالناصر والناصريون، تساند خليفة عبدالناصر.. لكن هل قال السيسي إنه خليفة عبدالناصر؟!

التسريبات أثبت أن السيسي، ليس له أدنى صلة بمشروع عبدالناصر، فهو منحاز لذات الأفكار التي كانت تحكم أداء وزارة المالية في عهد يوسف بطرس غالي، وهو أن الخدمة بثمنها، وأن أنبوبة البوتاجاز ينبغي أن يرتفع سعرها من ثلاثة جنيهات إلى سبعين جنيهاً، وفكرته هي اختفاء الدور الاجتماعي للدولة، لتظهر الدولة المتوحشة.

ويلاحظ أن هذه التسريبات الفاضحة هي في الجملة، فقرات لم تُنشر من مقابلة صحفية مع رئيس تحرير جريدة " المصري اليوم"، وفيها بدا السيسي أنه يُريد أن يُؤمّن موقعه، فإذا لم يُحالفه الحظ رئيساً، فلا بدّ من أن يتضمّن الدستور ما يفيد إعادته وزيراً للدفاع!.

ولو كان في هذا ما يفيده شعبيّاً، ما تمّ حجبه عن النشر، وما قامت أزمة للتضليل في البداية بأنّ هذه التسريبات ملفقة، قبل أن يُحملوا على الاعتراف بأنّ هناك من قام بالسطو على التسجيلات وبيعها، وهو ما يجري التحقيق فيه نقابيّاً من خلال نقابة الصحفيين، وجنائيّاً أمام النيابة العامة.

لا بأس يا وكالة " أسوشيتدبرس" فليقم التلفزيون المصري بإعادة بثّ التسريبات، حتى يحظى الفريق السيسي بشعبيّة ربّما تُؤهّله لرتبة المشير.

الأربعاء، 25 ديسمبر 2013

"وعايزنا نرجع زي زمان" ؟! / سليم عزوز



معذرة لهذا "الكوبليه" فمثلي لا تستهويه الكتابة بالعامية، لكن القافية حكمت، وقد انتهيت تواً من الاستماع إلى مقطع لا يميز فيه المذيع المُستجَد، بين اللغة واللهجة، فيقول اللغة المصرية، واللغة الشامية!.

"وعايزنا نرجع زي زمان"؟!.. عبارة لا تنتمي إذن إلى العامية، ولكنها تدخل ضمن مفردات "اللغة المصرية" ، التي تختلف عن "اللغة الشامية" ، بحسب ما جادت به قريحة المذيع الجديد وهو يقدم برنامجاً بإحدى القنوات، ولأن مصر صارت حُبلى بكل عجيبة، فلأول مرة نشاهد مذيعاً ألثغَ، يحشر الكلام داخل عتبة فمه، وقد كان في الحلقة التي استمعت فيها إلى تقديم مقطع تسجيلي للناشط بحركة "6أبريل" أحمد عادل، الذي صدر ضده حكم بالسجن والمراقبة، بتهمة ترويع السادة الضباط، مع أن السمة السائدة للضباط في مصر أنهم شداد غلاظ، لكنهم صار الآن "نجمهم خفيف" إلى درجة أنه يمكن لناشط أو أكثر أن يروعهم، فيقطعون "الخلف" ، من "الخضة" !.

" وعايزنا نرجع زي زمان"؟!.. تساؤل طرحته "الست" في أغنية "فات الميعاد" ، وقد أجابت عليه بشرط مستحيل الحدوث وهو "قول للزمان ارجع يا زمان" ، والمعني أن هذا العاشق الذي يريد أن يعود لمحبوبته، الصابرة على المكاره، و"حمّالة للأسِيّة"، وحاملة "لبُلغته" -أي نعلِهِ- فوق رأسها، أن عليه أن يعيد عقارب الساعة للوراء!.

هذا المقطع من أغنية، "فات الميعاد" ، أذكره كثيراً لمن يظنون أنه عما قريب، سيعود ثوار25 يناير "أمة واحدة" كما كانوا أول مرة، وإلى حد أنهم عندما صدرت الأحكام بالحبس والمراقبة على ثلاثة من النشطاء السياسيين، من الذين مثلوا غطاء ثورياً للثورة المضادة في 30 يونية، ظنوا أن الفرصة مواتية، وصار أي كلام من ناحيتي، في هذا الصدد، من شأنه أن يعرقل هذه العودة المنتظرة، وفي مقابلة تلفزيونية جمعتني والصديق أحمد حسن الشرقاوي، ترسّخ في ذهني هذا الاعتقاد، وظننت بالتالي أنني الحائل دون هذه العودة الميمونة، مع أني لست قائد حركة، أو زعيم تنظيم، ومن يجد الفرصة مواتية للوحدة من جديد، فليفعلها بعيداً عني!

في لقاء سابق على ذلك قلت لرهط من الحاضرين، وكان بينهم الشرقاوي، أنني لن أنزل على رأيهم، وليس لهم أن يطلبوا مني النزول على ما يعتقدون، فإذا نجحوا في مهمتهم فعليَّ "رنات" أو " مِسد كول" ، وهي عبارة قلتها من باب التحدي، وللتأكيد على أنهم سيفشلون!.

كنت على خصومة، مع حكم الرئيس محمد مرسي، الذي لم أنتخبه في الجولة الأولى، أو في جولة الإعادة، وبالتالي فقد كنت أقرب لهؤلاء، وإن اختلفت معهم في أن إسقاط حكم الرئيس مرسي يكون بعد استكمال دورته، وعبر صناديق الانتخاب، لأن مما طالبتْ به الثورة وتحقق هو أن تكون الإرادة للشعب المصري، صاحب السيادة، وقد هتفنا قبل الثورة، وحينها، كما هتفنا بعدها بسقوط حكم العسكر، وكان هؤلاء الشباب في طليعة الهاتفين، لكن البعض تنكر لمبادئه، نكاية في الإخوان، بعد أن جرى اعتماد سياسة "كيد الضرائر" ، فلما نسي ما ذُكِروا به، وجدناهم جنباً إلى جنب مع وزير الداخلية السابق الذي اتهموه بقتل الفتي "جيكا" في أحداث محمد محمود الثانية، ودخل إلى ميدان التحرير محمولاً على الأعناق من قبل الضباط، بعد أن نادى المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي من مكان قريب، بأنه لا ينبغي للثوار أن يسألوا من بجوارهم في يوم 30 يونية إن كانوا من الفلول أم لا، فمعركتنا مع الإخوان جذرية ومع الفلول ثانوية. وهكذا أمكن للدم أن يصبح ماء!.

لم تكن أزمة هؤلاء النشطاء فقط، في أنهم مثلوا غطاء ثورياً للثورة المضادة، وأدخلوا الغش والتدليس بمشاركتهم على الناس، في عملية عودة نظام حسني مبارك، ولكنهم أيدوا القتل والحرق، وكل المجازر التي ارتكبها الانقلاب، وتبدو الأزمة في أنهم ظنوا أنه يمكن للانقلاب أن يسمح لهم بمساحة حركة، يقدمون من خلالها أنفسهم على التمايز لا على الاندماج!.

لم يكن قانون التظاهر، أكثر من إجراء كاشف عن اعتماد الانقلاب للاستبداد وسيلة للحكم، ولم يكن منشِئا لذلك، فقد تبدى استبداد القوم للناظرين، منذ اللحظة الأولى، فقد عمد الفريق السياسي وهو يلغي "بجرة بيادة" المسار الديمقراطي، وينهي نتائج خمسة استحقاقات انتخابية، أن يقمع الرأي الآخر "المحتمل" ، والصورة الأخرى، حتى تعنو الوجوه له فلا يسمع إلا همساً، فكانت الحملة البوليسية على مكاتب عدد من الفضائيات بالقاهرة، واستوديوهات عدد آخر، وتم إغلاقها بالضَّبة والمفتاح، واعتقال كل من تصادف وجوده فيها، بمن في ذلك الضيوف!.

ثم كانت عملية مداهمة لمنازل قيادات جماعة الإخوان، وللمنازل حرمة مصانة، لكن قوات الأمن اقتحمتها، فلم يشعر بها هؤلاء إلا وهي فوق الرؤوس، وقامت القوات بتصويرها بالصوت والصورة، وبثها، ليؤكدوا بذلك أن القانون أصبح في أجازة.

وكانت بعد ذلك المجازر، والمحارق، التي أيدها هؤلاء، لأنها موجهة إلى الإخوان المسلمين، أو إلى الآخر في الجملة، لأن الذين استشهدوا في المجازر التي حدثت على يد قادة الانقلاب، لم يكونوا من الإخوان، أو من الإسلاميين في الجملة!.

البعض صمت، والبعض حرَّض، والبعض أيَّد، والبعض هتف: "أحسن" ، والبعض تنكر لهتافه القديم بسقوط حكم العسكر، ولأن من أعان ظالماً سلط عليه، "سنة الله في الذين خَلوا من قبل" ، فقد كان لابد من أن يحدث الصدام عند أول منعطف!.

ربما دهش هؤلاء النشطاء، وهم يرون عصا الشرطة الغليظة تمتد إليهم، وكانوا يظنون أنهم صاروا معاً في مواجهة الإخوان، ولا يعلمون أن البوليس المصري له ثأر مع كل مكونات ثورة 25 يناير، ومبكراً قلت إن الثورة المضادة قبلت هؤلاء النشطاء على مضض، وفق قواعد الضرورة التي تقدر بقدرها، فهم كانوا بحاجة إليهم "لمسافة السكة" وفي مهمة محددة، وأنهم سينقلبون عليهم سريعاً، وحدثت الاعتقالات، بعد الاعتراض على مظاهرات خرجت ضد قانون التظاهر.

ولعل سؤالاً يطرح نفسه، هل كان قانون التظاهر هو التشريع الأول الذي أسس لدولة الطغيان، ومثل علامة بارزة على أن الانقلاب لم يكن امتداداً لثورة 25 يناير لكنه الامتداد الاستراتيجي لنظام حسني مبارك؟!

لقد جاء دستور 2012 في عهد الرئيس محمد مرسي، ليضع سقفاً زمنياً لفترة الحبس الاحتياطي، بدلاً من تركها مفتوحة ليكون هذا النوع من الحبس أداة للتنكيل بمتهم قد تثبت براءاته في المحاكمات، وقد فاجأنا القوم بإصدار إعلان دستوري يدشن لمرحلة قانون الغابة الحاكم بفتح المدة، ليصبح من الطبيعي أن تستمر هذه المدة لتكون حبساً مدى الحياة، إذا قررت جهات التحقيق ذلك!.

كان الصمت لأن القانون موجه بالأساس إلى الإخوان، وتبين بالصمت كيف أن أحدا وفي ظل اعتماد سياسة "كيد الضرائر" لا يتحرك وفق قناعات شخصية، أو مبادئ حاكمة، لكن من على أرضية الانتقام!.

في اللحظة، التي أبديت فيها صعوبة نسيان الدم، والبعض تواطأ مع من سفكه، كان نشطاء "6 أبريل" يقدمون ساقاً ويؤخرون أخرى، وقبل صدور الحكم لوَّحوا مهددين بالانسحاب من خارطة الطريق التي وضعها العسكر، لكن الأحكام صدرت جائرة، فلم ينسوا أيضاً المناورة لأن هناك مرحلة أخرى من التقاضي، فقالوا إنهم مع إسقاط الانقلاب لكنهم ليسوا مع عودة "حكم الإخوان" ، وفي مقابلة تلفزيونية قال المنسق العام للحركة: "لن نضع أيدينا أبداً في يد الإخوان" !.

لا بأس فالبعض تستهويه قصة الحب من طرف واحد، حيث استعذاب العذاب، والإحساس بالقهر والبُعد والهَجر والحِرمان، وهؤلاء ممكن لهم أن يقدموا تنازلات، أو أن يوافقوا على أنصاف الحلول، من أجل الحشد لإسقاط الانقلاب، لكن في النهاية فإن الطرف الآخر لا يريد أن يعود للوحدة التي تجلت في ميدان التحرير في ثورة 25 يناير، ربما يشتاقون قريباً للعودة إلى أحضان العسكر والفلول كما كانوا في انقلاب 30 يونية.

لا بأس، دعوني وشأني، ومن يريد الوحدة، فليسعَ لها سعيَها وهو مؤمن، وعليّ "رنات".