‏إظهار الرسائل ذات التسميات صبحي حديدي، سوريا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صبحي حديدي، سوريا. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 26 يناير 2014

أديان توني بلير / صبحي حديدي




لا يُدهَش المرء، بل قد يُتاح له الضحك إلى حدّ القهقة العالية، إزاء تطوّر يفيد بأنّ توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، هو المنجذب الأحدث إلى إغواءات نظرية صمويل هنتنغتون حول صدام الحضارات والأديان؛ الآن وقد شبعت احتضاراً، ودُحرت مراراً وتكراراً على أرض الواقع، معظم أطروحات تلك النظرية. كأنّ بلير يدخل إلى أسواق التنظير القديمة، هذه وسواها، على هيئة زائر منذهل مأخوذ بما يكتشف من عجائب؛ أو كأنّ تمثيل اكتشاف الجديد هو التكتيك الأصلح لاستغفال العقول، و… استدراج التمويل، قبلئذ وبعدئذ!
ذلك لأنّ راعية هذا التطوّر هي ‘مؤسسة توني بلير للإيمان’، التي أسسها صاحبها سنة 2008، في نيويورك، ولها فروع وشراكات وتعاقدات ومشاريع في عشرات البلدان، وقد جمعت تبرعات بعشرات الملايين، ورواتب كبار مسؤوليها تُحتسب بستة أرقام. وإذْ تعلن المؤسسة أنّ فلسفتها المركزية هي التقريب بين الأديان التوحيدية الثلاثة، فضلاً عن البوذية والهندوسية والسيخية؛ فإنّ بلير نفسه لا يعود إلى استلهام هنتنغتون إلا لكي يشدّد على اصطراع الأديان والمذاهب، وأنّ ‘الخلاف الديني، وليس الايديولوجيا، هو محرّك المعارك الملحمية في هذا القرن’، كما يقول عنوان مقالته التي نشرتها صحيفة ‘الأوبزرفر’ البريطانية، يوم أمس.
ما نشهده من ‘هجمات إرهابية فـــــي الأماكن الواضحــــة’، يكتب بلير، ويسمّي ســـورية وليبيا والعـــــراق ولبنان ومصر واليمن والباكستان (ثمّ، في استطراد لاحق: نيجيريا، وأماكن كثـــيرة في أفريقيا الوسطى، وروسيا، وآسيا الوسطى…)؛ هي بعض تلك ‘المعارك الملحمية’، التي قد يعتبرها البعض منفصلة، أو ـ كما يوصي حكيم الإيمان، وتعايش الأديان ـ يتوجب ‘البدء في رؤية القاسم المشترك بينها، والبدء في إنــــتاج ستراتيجــــية كونية أصيلة للتعامل معها’. كيف؟ الوصفة بســيطة، جدّاً في الواقع، ولهذا فإنها سحرية استطراداً: ‘يجب أن نشجّع التعليم والتسامح، إذا شئنا تحقيق السلام في الشرق الأوسط والعالم’؛ هكذا، ليس أكثر!
كذلك، إذْ يضرب بلير سورية مثالاً على تصارع الأقليات الدينية، فقط ـ وليس، البتة، صراع الشعب ضدّ نظام استبداد وفساد، متعدد الطوائف، فاشيّ البنية، وحشيّ الأدوات، همجي الأجهزة، بربريّ الأنصار… ـ فإنّ ‘الديمقراطية ليست سبيلاً في التصويت. بل هي سبيل في التفكير’. نحن، بذلك، شعوب لن تتخذ معاركنا صفة الصراع من أجل أنظمة سياسية أفضل، كالديمقراطية ضدّ الاستبداد مثلاً؛ بل سيكون جوهر الصراع هو ‘الفارق الثقافي والديني’، وحده وحصرياً. وهيهات، حسب بلير، أن نرى سورية مستقبلية يتعايش فيها السوريون على قدم المساواة، بغضّ النظر عن الدين الذي يعتنقونه، أو الجزء الذي ينتمون إليه من ذلك الدين؛ ‘طالما أنّ مجموعة أقلية تحكم بلداً غالبيته مختلفة الانتماء، أو طالما أنّ صفوف أولئك الذين يقاتلون النظام تضمّ أيضاً عناصر ترغب في الحكم على أساس الفارق الديني’.
أقدارنا مختومة مرسومة مسبقاً، إذاً؛ ولا سبيل إلى ارتياد آفاق جديدة، ديمقراطية وعصرية ومدنية وتعددية، ما دام هذا ‘الفارق’ خالداً أبد الدهر، أزلي العواقب، مطلقاً ومغلقاً وكتيماً…؟ ومَن الذي يشخّص حالنا هذه، هذه الأيام تحديداً، سوى بلير دون سواه: ذاك الذي كانت صحيفة ‘الإندبندنت’ البريطانية قد قدّرت أتعابه بمليونَيْ جنيه سنوياً من مصرف بريطاني كبير، ونصف مليون من شركة خدمات مالية سويسرية، وأجور تتراوح بين 50 و170 ألف جنيه لقاء محاضرات متفرقة، إلى جانب أرباح مؤسسة ‘بلير وشركاه’ للاستشارات عبر البحار؛ وعلى نحو تقريبي، بلغت حصيلة ما جناه بعد أن ترك المنصب، سنة 2007، قرابة 15 مليون جنيه إسترليني.
كلّ هذا حين كان على أعتاب المثول أمام ‘لجنة شيلكوت’ البرلمانية البريطانية، التي تولت التحقيق في خلفيات التحاق بريطانيا بالولايات المتحدة أثناء غزو العراق واحتلاله، وسط إصرار بلير على أنه كان سيشارك واشنطن في الإطاحة بنظام صدّام حسين حتى دون التأكد من وجود أسلحة الدمار الشامل. أكثر من هذا، بلغ به الصلف حدّ التصريح، علانية، بأنّ عدم العثور على تلك الأسلحة كان تفصيلاً ‘فنّياً’ محضاً؛ وأمّا ‘الصورة الأهمّ’ في المشروع بأسره، أي الغزو والاحتلال وقلب النظام، فإنها كانت ثقته القصوى بصواب قراراته، ومشروعيتها وأخلاقيتها.
معروف، أيضاً، أنّ بلير زاود على البيت الأبيض، ذاته، في تصعيد الحرب النفسية، خصوصاً حين نشرت حكومته ما أسمتها ‘تقارير سرية خطيرة’، عن وجود ترسانة عراقية مرعبة، خرجت بغتة من مغارة على بابا: صواريخ سكود سليمة مصانة، وأطنان (نعم، أطنان!) من المواد الكيماوية الجاهزة للتحوّل إلى أسلحة كفيلة بإبادة ‘سكان الأرض بأكملهم’، كما جاء في النصّ الحرفي حينذاك. ولقد تطوّع لتبرير فضائح بيل كلنتون الجنسية، خائناً بذلك ‘مدوّنة السلوك’ التي بشّر بها طويلاً، هو المعروف بدفاعه المحموم عن ‘القِيَم العائلية’، وسعيه إلى تجسيد ‘المعجزة الأخلاقية للبريطاني النيو ـ فكتوري’، السائر على السبيل الثالث بين اليمين واليسار!
ها هو اليوم يصل، متكئاً على عكاز، إلى نقطة افتضاح علوم ‘الغرب’ عــــن الشرق’، حيث تعفنــــت التنميطـــــات الاستـــشراقية، وصدئت التنظيرات التبسيطية التسطيحـــية؛ آتياً من ركام ما خلّفه هنتنغتون، حول صراع الأديان وصدام الثقافات؛ ليس دون أن تكون جيوبه محشوّة مثقلة بالملايين، مع ذلك… وبسبب ذلك، أوّلاً!

الخميس، 23 يناير 2014

هولوكوست سوريا: مَن يتجاسر على انتهاك الأقنوم الأقدس؟ / صبحي حديدي



البروفيسور سو بلاك، الخبيرة العدلية وأستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة دندي، اسكتلندا؛ لم تتردد في إطلاق صفة الهولوكوست على الصور الوحشية التي تسرّبت، مؤخراً، حول ضحايا التعذيب في سجون النظام السوري؛ أو، على وجه الدقة، في زنازين المخابرات العسكرية وحدها، وليس سواها من عشرات فروع أجهزة بشار الأسد الأمنية. إنّ الخنق، والضرب، والتعريض للكهرباء، والتجويع حتى الموت، وسواها من أفانين التعذيب التي تعرّض لها المعتقلون؛ لا تُقارَن إلا بما شهدته معسكرات الموت النازية، من وجهة نظر بلاك، التي شاركت في فريق درس بضعة آلاف من أصل 55 ألف صورة تمكّن ‘قيصر’، شاهد العيان والمصوّر الفوتوغرافي السوري، من تهريبها إلى الخارج، بعد انشقاقه.
‘لم أشهد صوراً أشدّ فظاعة، طيلة 30 سنة من عملي في تحقيقات مماثلة’، تقول بلاك، التي سبق لها أن عملت على جرائم الحرب في كوسوفو، وكذلك في التحقق من هويات ضحايا كارثة تسونامي؛ وتتابع، في حوار مع صحيفة ‘سكوتسمان’: ‘هذه لقطات مريعة’، خاصة تلك التي تخصّ سجناء قضوا تجويعاً، و’كان من الصعب على المرء أن يتوقع إمكانية حدوث هذه الفظائع، على هذا النطاق. الأمر يتجاوز الحدود حقاً. صحيح أنّ أعداد الضحايا ليست جديدة عليّ، لكنّ حجم العنف هو الجديد. ولا بدّ أنّ العذاب الذي لقيه هؤلاء كان على درجة رهيبة يستحيل وصفها’. وفي تصريحات أخرى، وبعد وصف تفصيلي لصنوف التعذيب كما تتضح على الأجساد، تستخلص بلاك التالي: ‘لقد عدنا مقتنعين بأنّ ما رأيناه يبرهن على أنّ عدّة آلاف من الأفراد قد ماتوا تجويعاً، أو خنقاً، أو ضرباً، أو تعذيباً’.
والحال أن هذه ليست المرّة الأولى التي أتاحت استخدام مفردة الهولوكوست في توصيف جرائم النظام السوري، وكانت المناسبة السابقة هي الهجمة الكيميائية على الغوطتَين الشرقية والغربية، في الساعات الأولى من فجر 21 آب (أغسطس) الماضي. آنذاك، جرى هذا الخطاب الاتهامي على لسان أمثال جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي؛ ودافيد كامرون، رئيس الوزراء البريطاني؛ وكانت المقارنات تحيل إلى مشاهد الضحايا من جانب أوّل، وإلى مخاطر وقوف العالم مكتوف اليدين أمام أيّ هولوكوست جديد، من جانب ثانٍ. أمّا الاعتبارات التي سوّغت ذلك الخطاب، تحديداً، فقد كانت مناخات التصعيد المقترنة بالتحضير لضربة عسكرية ضدّ النظام السوري؛ وسرعان ما تبدّلت الاعتبارات، وتراجعت المقارنات، حين ركع الأسد وسلّم ترسانته الكيميائية، فبادر الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى صرف النظر عن الضربة.
غير أنّ المقارنة مع الهولوكوست لم تمرّ على نحو عابر، إذْ اثارت زوبعة احتجاجات لدى عدد من الكتّاب والمعلّقين اليهود، في أمريكا بصفة خاصة، غنيّ عن القول؛ اتكاءً على ذلك الأقنوم المقدّس المبجّل، الذي لا يرى وجهاً للمقارنة بين الهولوكوست وأيّ، وكلّ، وقائع العذاب البشري على مرّ التاريخ، بما في ذلك المذابح أو المجازر أو الإبادات الجماعية. وهكذا ـ بالأمس في مناسبة الهجمة الكيميائية، واليوم عند افتضاح صور الآلاف من ضحايا التعذيب ـ يخبرنا البريطاني بول أوستن مرفي أنّ 11,000 ضحية اليوم، وقبلها 1400 في الغوطتين، بما في ذلك النساء والأطفال، هي ‘أعداد موتى أكثر ممّا ينبغي’، بالفعل؛ لكنها لا يجوز أن تصنع أيّ هولوكوست جديد، أو تُقارَن بالهولوكوست… الوحيد! سوى هذا، يضيف العبقري، لو كان ‘الجهاديون’ هم حكام سوريا، أما كانوا فعلوا بالمسيحيين والشيعة أسوأ ممّا يفعل الأسد!
حال اليوم، هذه، تردّنا إلى أخرى، في نيسان (أبريل) 2012؛ حين أعلن أوباما، أثناء زيارة إلى متحف الـ’هولوكوست’ في واشنطن، فرض عقوبات على الجهات التي تزود سوريا وإيران بالوسائل التكنولوجية المساعدة على تسهيل انتهاكات حقوق الإنسان في البلدين. ‘ليست السيادة الوطنية رخصة للحكام كي يذبحوا شعوبهم’، قال أوباما وهو يقصد الإشارة إلى ‘أي مجنون ينتهك حقوق الإنسان، ويرتكب الفظائع، والإبادة، وأعمال القتل الجماعي’؛ واعداً الشعب السوري بـ’مواصلة الضغط’ على الأسد، بهدف ‘عزل نظامه أكثر’، وفرض مزيد من العقوبات، والتعاون مع ‘أصدقاء سوريا’. ولكي يبرّر قليلاً، أو في المستوى الأقصى الذي كان متاحاً بين يديه في واقع الأمر، تابع يقول: ‘بينما نحاول أن نعمل كل ما نستطيع، لا نقدر أن نسيطر على كل الأحداث. ونحن نحاول في سوريا، علينا أن نتذكر أنه رغم كل الدبابات، وكل القناصين، وكل التعذيب، لا يزال السوريون يتحدّون في الشوارع. ولا يزالون مصرّين على إسماع مطالبهم للعالم. إنهم لم يستسلموا، ولهذا فإننا نحن أيضاً لن نستسلم’. ثمّ لكي يذهب أبعد، أخيراً، أضاف أوباما أنّ العقوبات الجديدة خطوة أخرى ‘نحو اليوم الذي نحن متأكدون من أنه آتٍ، وهو يوم نهاية نظام الأسد الذي يذبح الشعب السوري’. بعد بضعة أشهر، كان نظام الأسد يستخدم الأسلحة الكيميائية، استكمالاً لسلسلة من المذابح والمجازر وعمليات القصف الوحشية!
بعد سبعة أشهر، في غمرة هذا التسابق على استحضار الهولوكوست أو تغييبه، سوف يحين الدور على إيلي فيزل، الأمريكي ـ الرومانيّ الأصل، الناجي من معسكر أوشفتز ـ بيركيناو، القيّم (بقرار تعيين ذاتيّ!) على تراث الهولوكوست، حامل نوبل السلام للعام 1986 (لأنه ‘الرسول إلى الإنسانية’ كما عبّرت اللجنة النروجية)، ومؤلف قرابة 54 كتاباً في المذكرات والتاريخ المقالة والرواية. وكان فيزل قد وقّع مقالة في صحيفة ‘واشنطن بوست’، تتساءل عن كيفية إيقاف ‘المجزرة السوريا’، بدت مدعاة سلسلة من الأسئلة الارتيابية: كيف يستقيم أن يأتي الإنقاذ من هذا الرجل بالذات، نصير إسرائيل (التي لا يطيب لها إسقاط النظام السوري، في المدى المنظور على الأقلّ)، المدافع الأعمى عن سياساتها واحتلالاتها وحروبها؟ وهل ثمة صلة ما، من أيّ نوع، يقيمها فيزل بين عذابات السوريين، وعذابات معسكرات الاعتقال في أوشفتز أو داخاو أو بوخنفالد؟
وما حقيقة صحوة ضمير فيزل، إذا جاز اعتبارها هكذا، بعد طول صمت على عشرات المجازر التي ارتكبها النظام، وشكّلت ما يقترب من هولوكوست بطيء مستديم، مفتوح ومتدرّج؟
وصفة فيزل السحرية، وبعد تسفيه حلول أخرى مثل العقوبات الاقتصادية، وطرد سفراء النظام، واستبعاد التدخل العسكري الأمريكي (لأنّ ‘الشعب الأمريكي تعب من شنّ الحروب البعيدة’، و’العائلات الأمريكية فقدت أكثر ممّا ينبغي من الأبناء والبنات في نزاعات نائية’)؛ لا تُبقي للسوريين إلا بصيص الأمل، شبه الوحيد، التالي: ‘لِمَ لا ننذر الأسد بأنه، ما لم يوقف السياسة الإجرامية التي ينخرط فيها، سوف يُلقى القبض عليه، ويُحال إلى محكمة الجرائم الدولية في لاهاي، وتُوجّه إليه تهمة ارتكاب جرائم بحقّ الإنسانية. مثل هذه التهمة سوف تثبط عزيمته. وسوف يخسر كل دعم، وكل تعاطف، في طول العالم وعرضه. ولن يدافع عنه أي شخص شريف. ولن تقبل أية أمّة بمنحه الملاذ…’!
هل كان فيزل يمزح؟ كلا، بالطبع. هل كان جادّاً في ما يقول؟ ليس تماماً، وإنْ كان اختلاط الجدّ بالهزل مسألة فيها نظر هنا. أكان صادقاً، في مشاعره تجاه محنة السوريين؟ كلا، وألف كلا! أبناء سوريا يعرفون أنه ما من جهة (في سياق ما يقصده فيزل، على صعيد ‘المجتمع الدولي’ وأشباهه من مسميات) سوف تبادر إلى اتهام الأسد، فكيف باعتقاله؛ وثمة لائحة مكشوفة من الأمم التي ستواصل الوقوف إلى جانب نظامه، وستمنحه الملاذ؛ ومثلها لائحة الذين سيتابعون التعاطف معه، سرّاً أو علانية، ومعظمهم سيأتي من صفوف ‘الممانعة’ الزائفة و’اليسار’ المتواطىء؛ إذا وضعنا جانباً أصحاب المصلحة، على امتداد الديمقراطيات الغربية، في بقاء نظام تعايشوا معه طيلة أربعة عقود ونيف، وخبروا ما وفّره من أمن على طول خطوط الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية.
وماذا عن الهولوكوست في سوريا، التي قضى قرابة 200.000 من بناتها وأبنائها على يد نظام همجي وبهيمي لم يعرف له التاريخ مثيلاً، حتى في ذروة العربدة النازية، وبالقياس إلى أقصى ما ارتكبه الرايخ الثالث من وحشية ضدّ البشرية؟ وماذا، في ضوء الـ55 ألف صورة جديدة، وخلاصات أمثال البروفيسور سو بلاك حول طابعها الهولوكوستي الصريح؟ سوف نجد الكثير من تنويعات نظرية فيزل، التي ترفض المقارنة بين الهولوكوست وأيّ وكلّ مآسي الإنسانية، قديمها وحديثها: من إبادة الهنود الحمر (قرابة 70 مليون قتيل)، إلى مذابح رواندا ربيع 1994 (قرابة مليون قتيل)، مروراً بما جرى ويجري في فلسطين وأفغانستان والعراق. هنا يجري إسدال ستار التضليل (حول خطف الإسلاميين للانتفاضات العربية عموماً، والانتفاضة السورية خصوصاً وأوّلاً)، لكي تشتغل مطاحن استراتيجيات التأثيم (التي لا تشهد تسويد صفحات الشعوب الثائرة، تحت أكاذيب الأسلمة والتشدد الأصولي والسلفية والعداء للسامية… إلا لتقترن بتبييض صفحات الطغاة).
وليس الأمر أنه، وأمثاله، لا يبصرون جرائم الحرب بأمّ الأعين؛ بل أنّ المنطق، عندهم، يسير هكذا، ببساطة عجيبة: ‘أوشفتز تظلّ فريدة في التاريخ المسجّل لأنها انطوت على إبادة شعب بأكمله، حتى آخر طفل وآخر أسرة وآخر نفس. لا أحد سيقنع الثاني بأن رادوفان كراجيش وراتكو ملاديش، على قسوتهما، يسعيان لإفناء جميع المسلمين حتى آخر مسلم’؛ والحال ذاتها بخصوص الأسد، تجاه بنات وأبناء سوريا، شيباً وشباباً، أطفالاً ونساءً ورجالاً. لكن فيزل لم يكفّ يوماً عن اطلاق صفة ‘الشعب’ على ضحايا اليهود، وصفة ‘المسلم’ أو ‘السنّي’ أو ‘العلوي’ أو ‘الشيعي’ على ضحايا سوريا، وقبلها العراق، وقبلهما كوسوفو. ولا غرابة في أنّ الكاتب الأمريكي اليهودي المعروف نورمان فنكلشتاين، في كتابه المتميز ‘صناعة الهولوكوست’، أطلق على فيزل لقب ‘المهرّج المقيم في سيرك الهولوكوست’.
ومَن يقرأ خطاب وليد المعلّم، وزير خارجية النظام، في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر جنيف ـ 2؛ لن تفوته، وسط تزاحم الأكاذيب واحتشاد الأضاليل، ذلك التودّد الضمني إلى خطاب أمثال فيزل ومرفي؛ بغية التعتيم على، وتغطية، الهولوكوست السوري الذي تفضحه البراهين المادية الساطعة، وخلاصات البروفيسور سو بلاك وسواها من أصحاب الضمائر اليقظة.

الخميس، 2 يناير 2014

2013 والسياسة الخارجية الأمريكية: ماض لا يحول! / صبحي حديدي



إذا صحّ أنّ 2013 كانت سنة انحطاط السياسة الخارجية الأمريكية إلى حضيض جديد، أدنى من أيّ قاع بلغته طيلة سنوات ولايتَيْ الرئيس الأمريكي باراك أوباما؛ فإنّ الصحيح الآخر، الموازي، هو أنّ السيرورة هذه اقترنت بافتضاح المزيد من سمة كبرى، تاريخية ومركزية وثابتة، طبعت فلسفة الإدارات جمعاء، تقريباً: أنّ لكلّ نزاع مقدارا خاصّا به من النفاق، مقابل السياسة العملية النفعية ‘الواقعية’، يقتضيه المقام الخاصّ بدوره.
وفي الملفّ السوري بصفة عامة، وحكاية ‘الخطّ الأحمر’ الكيميائي خاصة، كُتب الكثير في استجلاء هذا الجانب تحديداً، ربما بسبب المناخات الدراماتيكية التي أشاعها البيت الأبيض حول احتمالات توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري، بعد المجازر الكيميائية في غوطتَي دمشق، الشرقية والغربية.
طريف، مع ذلك، أنّ ما يحدث في كلّ آونة أمريكية مماثلة، تكرر هنا أيضاً؛ فبدا وكأنّ أوباما نسيج وحده في استعادة سمة النفاق الكبرى تلك، وذهب البعض (خاصة في صفوف عشاق السياسة الخارجية الأمريكية، والمؤمنين بأخلاقياتها) إلى أنّ الضعف الذاتي، الذي يتصف به أوباما شخصياً، هو السبب.
الوجه الآخر للطرافة مصدره أنّ شاغل البيت الأبيض الحالي ليس البتة استثناء القاعدة، في القوّة والبأس والحزم والبطش، بل هو ابن القاعدة النجيب وأحدث تطبيقاتها؛ والبرهان الأبسط هو أنّ المئات قُتلوا، في الباكستان واليمن والصومال، بأوامر من أوباما، عبر طائرات أمريكية من غير طيار، وأنّ نسبة المدنيين (بافتراض أنّ عناصر ‘القاعدة’ المستهدفين ليسوا ضمن هذا التصنيف) تراوحت بين 22 و58 بالمئة.
مفيد، والحال هذه، أن يذهب المرء إلى ملفّ آخر غير سورية، وذلك ‘الخطّ الأحمر’ الشهير، للوقوف على تجليات السمة الكبرى إياها؛ وربما إلى بلد غير عربي أيضاً، أو غير متأثر بمفاعيل ‘الربيع العربي’ الكثيرة، والمتكاثرة. فلنذهبْ إلى موقفَين للإدارة الأمريكية، إزاء احتلال العراق للكويت، واحتلال إندونيسيا لأراضي تيمور الشرقية سنة 1975: في المثال الأوّل هبّت القوّة الكونية الأعظم للدفاع عن سيادة الكويت، وحشدت الجيوش والحلفاء وأشباه الحلفاء، قبل حشد مجلس الأمن الدولي؛ وفي المثال الثاني (بإشراف من أبرز نطاسيي سياسة أمريكا الخارجية: هنري كيسنجر، دون سواه) أغمضت العين والأذن عن الاحتلال من جهة، كما ألزمت المواطن الأمريكي، دافع الضرائب، بسداد أكلافه من جهة ثانية.
وكان المفكّر الأمريكي الكبير نوام شومسكي قد جعل قضية تيمور الشرقية مثالاً دائماً على السياسة الأمريكية، العتيقة، في اعتماد حلول متباينة للمعضلات المتشابهة المتطابقة؛ كما عدّها نموذجاً على موقف ‘الحضارة الغربية’ من أقدار المستعمرات السابقة، التي مُنحت ذلك النوع العجيب من ‘استقلال وطني’ استبدل هويّة المستعمر، دون أن يبدّل طبيعة الاستعمار. 
كذلك كانت تيمور الشرقية مثال شومسكي على ‘لعبة الأمم’ المكرورة ذاتها: ثمة أهمية استراتيجية ـ عسكرية واحدة تتمتّع بها هذه الجزيرة الصغيرة (هي أنها ممرّ عميق المياه، يسمح للغواصات النووية بالرسوّ على مسافة قريبة)؛ ولكنها أهمية فائقة بالنسبة إلى بلد مثل أستراليا. وثمة، أيضاً، ذلك ‘الدلال’ الخاص الذي حظي به جنرالات أندونيسيا من جانب الولايات المتحدة والغرب إجمالاً، فلم يقتصر على السكوت عن الاحتلال الإندونيسي لتيمور الشرقية، بل اتخذ صفة الاعتراف الرسمي بإلحاق الجزيرة أيضاً.
غير أنّ نفاق عقود الحرب الباردة تواصل هنا وهناك في العالم، بعد أن وضعت تلك الحرب أوزارها، وكانت تدور على مستوى المخيّلة وحدها في واقع الأمر. وهكذا، بات في وسع المرء أن يتابع النفاق الغربي تجاه ما جرى في تيمور الشرقية، وكأنه لا يتابع أيّ جديد. أو كأنّ الاستفتاء الذي نظمته الأمم المتحدة، وأسفر عن رغبة 87.5 بالمئة من أبناء تيمور الشرقية في الاستقلال عن أندونيسيا، لم يكن أكثر من رياضة عابرة مارستها المنظمة الدولية ذات نهار؛ لكي يحلّ النهار التالي فتحوّلها الميليشيات الإندونيسية، المدعومة من الجيش والأجهزة الأمنية وبيوتات المال والاستثمار، إلى باطل وقبض الريح.
والحال أنّ ماضي تلك السياسة الأمريكية لم ينقطع عن حاضرها الراهن، فتوفّر للإنسانية دليل جديد على أنّ النفاق الأمريكي أزلٌ لا يزول، حين بادرت إدارة أوباما إلى اتخاذ خطوة تجاه عسكر إندونيسيا، كانت مفاجئة صاعقة بقدر ما هي وقحة بغيضة، لم يتجاسر الرئيس السابق جورج بوش الابن على اتخاذها، رغم أنّ لعاب الكثيرين من مستشاريه الصقور والمحافظين الجدد بخاصة، سال شهوة إليها. فقد أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية استئناف تدريب وتسليح ‘قيادة الوحدات الخاصة’، المعروفة بالاسم الرهيب Kopassus. وذاك قرار كسر حظراً أمريكياً دام 12 سنة، وفُرض استناداً إلى ‘قانون ليهي’، نسبة إلى عضو الكونغرس باتريك ليهي، الذي يحظر تسليح أو تدريب وحدات عسكرية أجنبية تنتهك حقوق الإنسان (وهو القانون الذي جعل إدارة بوش تتردّد، ثم تمتنع، عن إعادة تدريب الوحدات ذاتها!). وكانت هذه الوحدات الخاصة قد تأسست سنة 1952 لتكون جيشاً خاصاً داخل الجيش، يتولى مهامّ التدخل المباشر في العمليات العسكرية غير التقليدية، وأعمال قمع العصيان والتظاهر، ومحاربة الإرهاب، وجمع المعلومات الاستخبارية؛ فضلاً عن ‘المهام المستورة’ القذرة، مثل الاعتقال والتحقيق والتعذيب والتصفيات الجسدية. 
وسجلّ الـ Kopassus ليس حافلاً بانتهاك مختلف تصانيف حقوق الإنسان، فحسب؛ بل لا يكاد أيّ انتهاك شائن للحرّيات والحقوق، على كلّ صعيد يخلو من بصمات تلك الوحدات. هذا فضلاً عن دورها في قمع أعمال التمرّد أواخر الخمسينيات، والحملة العسكرية ضدّ غينيا الجديدة سنة 1960، والمواجهة مع ماليزيا خلال سنوات 1962ـ1966، وتنفيذ مذابح الشيوعيين سنة 1965، وغزو تيمور الشرقية سنة 1975… 
وما يضيف بُعداً بالغ الخطورة على خطوة إدارة أوباما، هو حقيقة أنّ استئناف تدريب وحدات الـ Kopassus يشكّل انحيازاً صريحاً إلى صفّ العسكر، على حساب المدنيين والسياسة عموماً، في معركة قديمة متجددة لا تخمد نيرانها حتى تستعر من جديد. وكانت تلك المعركة قد تبلورت، واتخذت وجهة عملية وعملياتية، منذ اصطفاف الرئيس الأسبق يوسف حبيبي مع الجنرال ويرانتو ضدّ غالبية أحزاب المعارضة والمجتمع المدني. ولم يفلح انتخاب الرئيس عبد الرحمن واحد، وعزل ويرانتي نفسه وتقديمه إلى المحاكمة بتهم إساءة استخدام السلطة وانتهاك حقوق الإنسان والفساد، في تقريب الهوّة بين العسكر والمدنيين، فهي في حال متفاقمة تشهد عليها سلسلة المآزق الراهنة التي تشهدها البلاد.
والشقاق بين المدنيين والعسكر يدور حول السياسة والاقتصاد والمجتمع، وحول هوية إندونيسيا بعد الرئيس الأسبق سوهارتو، وكان محض تفصيل طبيعي أن يجد الكثير من تعبيراته في موقف العسكر الرافض لإنهاء نحو ثلاثة عقود من الاحتلال الإندونيسي لتيمور الشرقية. كذلك حرص العسكر على ضرب تيمور الشرقية أمثولة قصوى لكلّ مَن تسوّل له نفسه أمر الخروج عن الاتحاد الإندونيسي المقدّس، إذْ من المعروف أنّ البلاد تتألف من 13 ألف جزيرة، وتقوم بنيتها على فسيفساء معقدة (اجتماعية واقتصادية وإثنية ومذهبية ولسانية) لأكثر من 238 مليون نسمة، كان سوهارتو قد أحسن ضبطها بوسيلة القمع والانضباط العسكري تحديداً. وليس خافياً على أحد أن هذه الأمّة ـ الأرخبيل، كما يحلو لبعض المراقبين الغربيين وصف البلاد، عانت وتعاني من هيمنة الأقلية الجاوية التي ساندها سوهارتو وأدام سلطتها طيلة 32 سنة من الدكتاتورية العسكرية.
الجيش الأندونيسي لم يتوقف عن استنباط تلك الكيمياء القوموية الشوفينية بالذات، والجنرالات هم الذين أشرفوا على تشكيل ميليشيات موالية لإندونيسيا في تيمور الشرقية، لم يكن يُعرف لها أيّ وجود قبل بدء الأمم المتحدة في تنظيم الاستفتاء على الاستقلال. كذلك أشرف الجيش على تسليح تلك الميليشيات، وتدريبها، ونشرها في العاصمة التيمورية ديلي، على نحو لوجستي يسمح بممارسة الضغط المادّي على التيموريين، والضغط الأدبي والإعلامي على المنظمات الدولية وممثّلي وسائل الإعلام العالمية. والأرجح أنّ هدف الجيش من تخطيط كهذا كان، ويظلّ، توجيه رسالة إلى القوميات الأخرى التي انتظرت نتائج استفتاء تيمور الشرقية قبل ابتداء أيّة خطوة ملموسة على طريق المطالبة بحقوق مماثلة.
ولكي لا يبدو أوباما وحيداً، كانت إدارة أمريكية ديمقراطية أخرى، سيّدها الرئيس الأسبق بيل كلنتون، هي التي اختارت الانحياز إلى العسكر في معظم الملفات التي تخصّ ماضي، وحاضر، ومستقبل إندونيسيا؛ فاستمعنا إلى مستشار الأمن القومي آنذاك، ساندي بيرغر، يقول التالي في تمييز إندونيسيا عن سواها: ‘إنها رابع أكبر دولة في العالم. وهي تمرّ في مرحلة انتقال سياسي واقتصادي هشّ ولكنه هائل الأهمية. والولايات المتحدة تدعم بقوّة ذلك الانتقال. وحلّ هذه الأزمة لا يهمّ تيمور الشرقية وحدها، بل يهمّ إندونيسيا بأسرها’. وفي الواقع كان تشخيص بيرغر يستبطن الرسالة التالية: ما يجري في تيمور الشرقية من تنكيل بالتيموريين مسألة تتصل مباشرة بالصراعات السياسية الداخلية في إندونيسيا، قبل أن تكون مسألة ذات صلة بحكاية حقّ التيموريين في تقرير المصير.
هل ثمة مقارنة، وربما سلسلة مقارنات، مع حفظ الفوارق، بين حاضر الموقف الأمريكي من الملفّ السوري، وماضي الموقف الأمريكي (الذي ما يزال حاضراً، عملياً) إزاء تيمور الشرقية؟ إذا عزّت معطيات المقارنة بين البلدين، وتباعدت الفوارق وتنافرت الحقائق، فإنّ حكمة السياسة الخارجية الأمريكية ما تزال على حالها، ثابتة لا تحول. لكلّ نزاع مقدار خاصّ به من النفاق، مقابل السياسة العملية النفعية ‘الواقعية’، يقتضيه المقام الخاصّ بدوره!