‏إظهار الرسائل ذات التسميات هيفاء زنكنة،العراق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هيفاء زنكنة،العراق. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 17 فبراير 2014

الامم المتحدة تكاد تموت قلقا على العراق / هيفاء زنكنة


منذ عقود والامم المتحدة قلقة على العراق. هكذا تنص التقارير والتصريحات تلو التصريحات الصادرة من مختلف منظمات الامم المتحدة، بدءا من اليونسكو واليونسيف الى مجلس حقوق الانسان ويونامي (بعثة الامم المتحدة في العراق). وقلق الامم المتحدة، بحد ذاته، يثير القلق، خاصة وان بعض ما يصيب الشعب العراقي، هو نتيجة سياسة الامم المتحدة وما تنفذه من قرارات، بحق الشعوب، لصالح القوى العظمى المهيمنة. وان اختزلت القوى العظمى، حتى فترة قصيرة، الى قوة عظمى واحدة وهي الولايات المتحدة. 
في فترة التسعينات، مثلا، قلقت الامم المتحدة لما اصاب الشعب العراقي جراء الحصار الجائر، متناسية بانها كانت من عملت على اصدار قرار وتطبيق الحصار تنفيذا للسياسة الامريكية – البريطانية. واصبح قلق الامم المتحدة مزمنا منذ غزو العراق عام 2003. وهل ننسى كيف أصبح مبنى الامم المتحدة الشاهد الحي على أكبر عملية تصنيع للكذب، حين جلس احد معماري الغزو اي كولن باول، وزير خارجية أمريكا، ليظهر فيلما عن اسلحة الدمار الشامل العراقية المهددة للعالم كله؟ 
ثم جاء تأسيس بعثة الامم المتحدة في العراق (يونامي)، بعد الغزو، كمحاولة للسيطرة على اعراض القلق، الا ان بقاء العراق تحت الاحتلال العسكري المباشر حتى عام 2011 ومن ثم تنصيب حكومة بالنيابة، وعلى الرغم من تغيير وجوه مبعوثي الامم المتحدة، لم يساعد على انهاء القلق، بل وفي بعض الاحيان ازداد وتوسع، وبالتحديد في مجال انتهاكات حقوق الانسان. فاحكام الاعدام، استنادا الى شهادة المخبر السري، وتحت قضاء مسيس مبني على الفساد، بات وفق تصريح مفوضة حقوق الانسان ‘لا انساني’ و’بالجملة’. جاءت زيارة بان كي مون، الأمين العام للامم المتحدة، الى بغداد، في الشهر الماضي، لتجسد القلق واعلانه بصوت عال امام ساسة النظام وعلى رأسهم أمين حزب الدعوة نوري المالكي. الا ان بان كي لم يعثر على ما ينهي قلق المنظمة بالعراق وغادر البلد بدون الحصول، ولو على حبة فاليوم، لتريح اعصابه بعض الشيء. 
واذا كان بان كي مون قد اختار التفرغ، هذه الايام، لمصدر’ قلق’ آخر في المنطقة، اي سوريا، الا ان يونامي، بحكم تخصصها بالشأن العراقي، مجبرة على معاناة القلق من مصدر واحد هو العراق فقط. وقلقها الأخير مصدره مدينة الفلوجة. المدينة التي اذاقت المحتل الانكلو امريكي الأمرين وأجبرته، مع بقية المدن المقاومة، على الجلاء العسكري المبكر. هذه المدينة المناضلة، بشهادة المحتل قبل غيره، تسبب القلق للامم المتحدة، منذ ستة اسابيع، لاسباب انسانية وسياسية. يشمل حل الوجه السياسي دعوتها ‘جميع الاطراف السياسية بالعراق الى معالجة أسباب العنف من خلال الحوار والعملية السياسية والمساعدة في إعادة بناء الانبار’. وقد رفض رئيس الحكومة الطائفية المضمخة بالفساد هذه الدعوة مرارا وتكرارا تحت شعار ‘لا حوار مع الارهاب’، متهما بذلك جميع سكان أكبر محافظة بالارهاب، ليسوغ واحدا من اكثر السياسات الحكومية فاشية أي العقاب الجماعي. ودعوة الامم المتحدة نظام المالكي للحوار يستند الى شيوع سياسة الحوار مع اشد الاعداء. ها هو عدو المالكي قديما وصديقه حديثا بشار الأسد يتفاوض مع من يعتبرهم إرهابيين، وأمريكا تتفاوض مع الطالبان هي وحلفاؤها المتقاتلون فيما بينهم في الباكستان واأفغانستان.كما تتفاوض امريكا مع ايران. وكان البريطانيون قد جلسوا مع الجيش ‘الارهابي’ السري الإيرلندي، وهذا غيض من فيض، فلماذا لم يتفاوض المالكي مع ابناء الشعب في الأنبار، لماذا رفض الاصغاء لمطالب المتظاهرين السلميين لأكثر من عام ؟ 
اما الوجه الانساني لقلق الأمم المتحدة الحالي فسببه، حسب رئيس البعثة نيكولاي ميلادينوف، تدهور الاوضاع في مدينة الفلوجة. اذ قصف ‘الجيش العراقي الباسل’ مستشفى الفلوجة العام وتسبب بقتل عدد من العاملين فيه واجلاء المرضى واغلاق معظم اقسامه. كما ادى القصف العشوائي الى قتل وجرح المئات وبلغ عدد النازحين من محافظة الانبار 300 ألف شخص خلال الستة اسابيع الاخيرة فقط. 
وتواصل الامم المتحدة مناشداتها لتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى المدينة، فحالة النازحين ‘غير مستقرة مع نفاد مخزون الغذاء والمياه الصالحة للشرب وسوء الصرف الصحي ومحدودية فرص الحصول على الرعاية الصحية’. 
والمعروف ان قوات النظام قامت بتفجير عدد من الجسور لمنع وصول الامدادات الى الاهالي، وتحاصر مداخل المدينة بآلاف القوات حيث لا يسمح للرجال بالدخول او الخروج منها. وهي ذات السياسة الهمجية التي اتبعها المحتل ويقوم نظام حزب الدعوة باستنساخها تحت مرأى العالم بينما تكتفي منظمة الامم المتحدة بارضاء ضمير اعضائها باصدار تصريح او تقرير تبدي فيه قلقها. 
لقد عاش العراق، كما فلسطين والعديد من دول عالمنا، على مدى عقود، في ظل ازدواجية معايير الامم المتحدة حول حقوق الانسان والمساواة وعدم التمييز وكل الطموحات النبيلة المشابهة الأخرى، حتى لم يعد هناك من يؤمن بها لكثرة ابتذالها تضليلا وخداعا. سألني صديق، حين طلبت منه اخيرا المشاركة في مؤتمر حول حقوق الانسان بالعراق، قائلا بصوت يائس: هل من فائدة؟ ألن يكون هذا مؤتمرا آخر للثرثرة؟ وحين اجبته حول ضرورة توثيق الجرائم ضد الشعوب، تساءل عما فعله العالم ازاء صور وتقارير تعذيب المعتقلين بسوريا وهي بالآلاف. وعلى الرغم من جوابي بان هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، الا انني، في قرارة نفسي، وفي لحظات التعب والاحباط، اتفق معه بان الواقع قد يكون محبطا وهذه هو، اساسا، ما يدفع الناس الى تبني اسلوب العنف والتمادي فيه الى اقصى حد. 
ان عالمية حقوق الإنسان تبقى بلا معنى اذا لم تكن هناك مساءلة. ويتجلى هذا في الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان المسكوت عنها في العديد من البلدان، من بينها العراق. حيث تتحول الحياة اليومية لمعظم السكان الى كفاح من أجل البقاء على قيد الحياة فقط بينما تتمتع السلطات القمعية بحرية ممارسة الارهاب والتعذيب على نطاق واسع. 
ان النظام العراقي لايبدو ‘قلقا’ من قلق الامم المتحدة. فهو نظام لا يضع في حسابه التخطيط بعيد المدى لوطن يتسع لكل ابنائه. انه نظام عنصري يراهن على البقاء استنادا الى الابادة متهما الآخرين بانهم ‘الارهابيون’ العاملون على إرهاب شعبهم وتدمير آمال بناء الديمقراطية.
والمفارقة المضحكة هذه الايام ان نرى بعض التشكيلات السياسية العراقية وقد سرت اليها حالة قلق الامم المتحدة. هناك، مثلا، تيار جديد خرج معظم مؤسسيه من رحم الحزب الشيوعي ليطلقوا على انفسهم اسم ‘التيار الديمقراطي’ وهو يدعم قائمة انتخابية تدعى ‘ المدنيون الديمقراطيون’.
اصدرت هذه القائمة بيانا عن هجوم نظام المالكي على محافظة الانبار والاقتتال الدائر في محافظات اخرى بعنوان ‘تطورات الانبار مقلقة’ عبر فيه ‘التحالف المدني الديمقراطي عن قلقه من تطورات الأزمة في الانبار’. ان مايجب التأكيد عليه هو ليس الدعوة الى العنف او الاقتتال ولكن اذا ما كانت الامم المتحدة (ولنقل بقية التيارات العراقية ذات المسمى الديمقراطي، وقد اصبحت اكثر من الهم على القلب) جادة فعلا في قلقها على العراق وغيره من الشعوب المنتهكة حقوقها فان عليها ان تبدي ماهو اكثر من القلق لتكتسب المصداقية في عملها، للسعي في الحفاظ على كرامة الانسان بغض النظر عن جنسه او دينه او قوميته.

الاثنين، 3 فبراير 2014

النظام العراقي والحرب على الشعب / هيفاء زنكنة




هناك حالة برلمانية تستعصي على الفهم في العراق الجديد او لعل الاصح القول الا في العراق الجديد. ففي كل برلمانات العالم، يتم استدعاء النواب للاجتماع الفوري حالما تحدث أزمة أو كارثة تستدعي التشاور واتخاذ موقف ما من الأزمة. فوظيفة البرلماني، كما هو معروف، هي تمثيل الناخبين والتعبير عن مطالبهم وطموحاتهم. وللحقيقة نقول ان الناخب العراقي الذي شارك بإنتخاب النواب، ورفع اصبعه البنفسجي، عاليا، في الهواء، كان على أمل بان يضعوا حدا لشقائه وبؤسه، حالما يتواجد ساسة شرفاء يخلصونه من القتل اليومي وانعدام الخدمات.
الا ان المفاجأة تلو المفاجأة كانت بانتظار المواطن ذي الاصبع البنفسجي خاصة من وضع أمله في ساسة يمثلون انتماءه الديني او الطائفي، على حساب المبادىء والقيم الوطنية. حيث تراوحت مواقف النواب من انحدار الى آخر. فمن التهافت على الفساد الى تبرير الارهاب الحكومي. ومن تقسيم البلاد الى السكوت على حالة الحرب المزمنة بحجة، باتت لفرط ضحالتها، ملهاة لايتقبلها عاقل. ملهاة تم تصنيعها وتعليبها في امريكا لتروج بين البلدان، من بينها العراق، باسم ‘الحرب على الارهاب’.
الملاحظ انه ليست هناك حكومة عربية او اسلامية أكثر حماسا وحمية من الحكومات العراقية المتعاقبة للمشاركة في ‘الحرب على الارهاب’. وهو من الاعراض المرضية التي ترسخت أكثر فأكثر في ظل نظام حزب ‘الدعوة’ بقيادة امينه العام نوري المالكي, مما جعل العراق ساحة حرب مستمرة، وان اختار النظام وساسته التعامي عن هذه الحقيقة عن طريق وصف الوضع بنعوت على غرار ‘اعمال عنف’ و’هجمات ارهابية’ و’حالة نزاع′، ليتصرفوا وكأنهم لا يحكمون بلدا بل يكتبون تقريرا لصالح منظمة مجتمع مدني تستجدي الدعم الخارجي. والا كيف يفسر عدم دعوة النواب للاجتماع وهناك حرب طاحنة، تدور في العديد من المحافظات منذ ما يزيد على الشهر، وهي أكثر قسوة بحصارها وقصفها العشوائي، من الحرب ذات المستوى المتدني الذي يعيشه العراق، بشكل دائم، منذ عشرة اعوام؟ كيف يفسر عدم حضور النواب لمساءلة الحكومة، وهو من صلب واجبهم، عن عدد الضحايا الذي وصل خلال الشهر الماضي الى 1013 قتيلا و2024 جريحا، مع العلم ان معظم الجرحى يموتون نتيجة قلة الرعاية الصحية؟ 
كيف توصل النواب الى انه ليس من الضروري عقد اجتماع لمناقشة حالة الحرب الحكومية المعلنة على محافظة الانبار وحالة الحرب المنخفضة في بقية ارجاء العراق، باستثناء اقليم كردستان، وقد تجاوز عدد المهجرين 140 ألف شخص وضحايا القصف والهجوم حوالي 650 مواطنا؟ وكيف يمكن تقييم مواقف نواب يتذبذون، عند بروز الحاجة الى تسجيل موقف ما، ما بين الانسحاب من البرلمان احتجاجا في فترة الصباح ليعودوا بعد عقد صفقة ما مساء، وهكذا دواليك؟ 
ومن يظن ان وصف الوضع بالحرب غير صحيح، عليه قراءة عناوين بعض الاحداث الدموية، وليس كلها، خلال الايام القليلة الماضية فقط. آخذين بنظر الاعتبار، انها صادرة عن مصادر النظام نفسه. 
أعلنت قيادة عمليات الانبار، يوم السبت، حظراً للتجول في مدينتي هيت والرمادي، استعدادا لاطلاق عملية امنية واسعة لـ ‘تطهير مناطق جنوبي الرمادي من عناصر داعش الارهابية’. وأعلن المستشار العسكري لوزارة الدفاع ‘ أن العد التنازلي لاقتحام الفلوجة قد بدأ، مبيناً أن المهلة التي أعطيت للعشائر قد انتهت’. وأفادت مصادر حكومية ‘أن القوات الذهبية (التابعة لمكتب المالكي) بدأت بإغلاق مداخل المدينة الثلاثة مع إبقاء المدخل الشرقي لها مفتوحاً’. استشهد مدني واصيب اربعة اخرون بانفجار عبوة ناسفة في قضاء الطوز شرقي محافظة صلاح الدين. تمكنت قوات الجيش من ‘تدمير وكر لتنظيم داعش الإرهابي’ في مدينة كركوك و قتل أحد أمراء التنظيم الإرهابي في كركوك و جرح أحد مساعديه في حين أن العمليات العسكرية ما تزال مستمرة لتطهير العراق من شرور الإرهاب و تدمير أوكاره’. أعلن الناطق باسم وزارة الداخلية انه قد تم ‘اعتقال اثنين من الارهابيين واربعة من المطلوبين في تكريت’. وأدى انفجار عبوة ناسفة في قضاء التاجي إلى مصرع شرطي واصابة اثنين اخرين بجروح خطيرة. اما في بغداد فقد هوجم مطار بغداد الدولي بثلاثة صواريخ كاتيوشا . وادى تفجير وسط العاصمة الى مقتل وجرح خمسين مواطنا. اعلنت فرقة المشاة 12 انها ‘قتلت تسعة ارهابيين ودمرت معسكرين وفجرت عشرة سيارات ملغومة لتنظيم داعش خلال عملية امنية في حمرين’. كما أعلنت قيادة العمليات المشتركة عن ‘مقتل واعتقال 23 عنصراً من تنظيم داعش الارهابي، فيما اكدت ضبط 140 عبوة ناسفة ولاصقة خلال الـ72 ساعة الماضية في الساحل الايسر من مدينة الموصل’. وقالت القيادة في بيان لها، إن ‘قيادة فرقة المشاة الثانية القت القبض على 5 ارهابيين واستولت على معمل لتصنيع العبوات’.
ان النظام الحالي، خصوصا كتلة المالكي نفسها، كما هو موثق ومعترف به من سياسييه انفسهم، نظام متأزم منخور، يراوح بين ارضاء المصالح الأمريكية والإيرانية، وهو توازن يشتط مرة بهذا الإتجاه ومرة أخرى عكسه، معتمدا على غياب المشروع الوطني العراقي لدى فئات العملية السياسية. فالولايات المتحدة لم تنجح في خلق التوازن بين حلفائها الذي حققته بريطانيا بعد ثورة العشرين في القرن الماضي عبر النظام الملكي. الا انها لا تكف عن رمي الفتات للساسة لالتقاطها كما يفعل مربي الطيور لتدجينها. وينعكس ذلك بوضوح على نواب البرلمان كما بقية الساسة، ومثال ذلك ترتيب الزيارات الى واشنطن لالتقاط الفتات. آخرها كان ترتيب زيارة صالح المطلك، نائب رئيس الوزراء، وأسامة النجيفي، رئيس البرلمان، باعتبارهما، كما يقدمان نفسيهما، ‘ممثلين عن السنة’.
في غياب عوامل القوة الفعلية والكفاءة الإدارية والنية المخلصة لخدمة الشعب كله لا لخدمة طائفة او عرق معين لدى سياسيي العملية السياسية من جهة، وفي غياب عوامل الرضا العام لدى الناس، لم يعد بيد النظام، للمحافظة على بقائه، غيرالطائفية والفساد وشراء الذمم، وتوريط أكبر الشرائح في الفساد ليجعلهم شركاء مؤقتين معه. وهذا التوريط بالفساد، وما يؤديه لقوقعة الناس في حالاتهم الفردية والمحلية، وتجميد بحثهم عن المصلحة الوطنية العامة، وشراء سكوتهم عن القمع على شرائح المجتمع الإخرى، أسلوب إستخدمه الإحتلال، بل إستخدمته بدرجات، جميع الأنظمة التي تأتي بدون قاعدة إجتماعية واسعة، وتمتلك الثروة العامة، كما هي حكومات البلدان الثرية بالنفط عموما. 
ويأخذ التوريط بالفساد او المشاركة فيه اشكالا متعددة مثل آفة تستشري وتؤجج الشحن الطائفي، وتنخرط فيها قوى إنتهازية كثيرة، بضمنها، الأحزاب القديمة التي لم نعد نسمع لها صوتا والعشائر المتناحرة للحصول على المخصصات. لكن وصفة التورط بالفساد العام وصفة لا تدوم طويلا حتى بدون الثورة الشعبية التي تلوح في الأفق، ولا يؤخرها الا حاجة الرافضين للعملية السياسية برمتها لضمان كون حركتهم عراقية عامة وغير مقتصرة على المحافظات الثائرة منذ الإحتلال. وهو إقتصار يستخدم اليوم طائفيا. ومن هنا تأتي ردود افعال نظام المالكي الوحشية والتخبط الإعلامي والسياسي والأمني، وإختراع إرهاب ‘داعش’ وتضخيمه حسب الحاجة، وعودة الصحوات هنا وضربها هناك، وتأجيج المشاحنات مع الدول العربية مع التلويح بالأخوة معها. ومن هنا، أيضا، إضطرار النظام والسياسيين (بسنتهم وشيعتهم) للجوء الى الولايات المتحدة كوسيط سياسي، واستجداء دعمها الأمني تجاه غضب الشارع المنتفض في العديد من المحافظات والمدن. وهذا يجعل الساحة العراقية جزءا من مسارات التسوية الثلاثة الرئيسية في المنطقة: مسارات التسوية السورية، والإيرانية، والفلسطينية.

الاثنين، 27 يناير 2014

حتى آخر مواطن عراقي! / هيفاء زنكنة



تشمل حملة التوسل بالتدخل زيارات قيادة حزب الدعوة الى واشنطن واللقاء والتنسيق مع القيادة العسكرية كلما تعرض النظام لغضب جماهيري او قاربت ايامه على الاحتضار. آخر الزيارات كانت برئاسة نوري المالكي، رئيس الوزراء وأمين عام حزب الدعوة الشيعي، بتاريخ متضرعا تزويده بالسلاح المتطور لمحاربة ‘الارهاب’ وتلا ذلك طلب عدد من الوزراء، الواحد تلو الآخر، بارسال فرق خاصة واعادة تدريب القوات العراقية في بلد عربي مجاور وتمت تسمية الاردن كمكان صالح للتدريب، حسب متحدثين باسم وزارة الدفاع الامريكية. منذ جلاء قوات الاحتلال العسكري الامريكي من العراق، في عام 2011، بعد ان اوهنتها ضربات المقاومة المسلحة، والنظام الحاكم، يتأرجح ما بين الادعاء بالسيادة والاستقلال الوطني الكامل من كل تدخل أجنبي وما بين التوسل بالادارة الامريكية للتدخل من جديد.
وقد يوحي تعميم مثل هذه الاخبار بان أمريكا قد تخلت، فعلا، عن العراق، خاصة من الناحية العسكرية. مما يترك انطباعا خادعا باستقلالية النظام. غير ان هذا الانطباع هو ابعد ما يكون عن الواقع. فالادارة الامريكية لم تتخل عن مشروعها الاستراتيجي الامبريالي بالعراق وهي مستمرة به ولكن بشكل جديد يقلل من خسائرها المادية والبشرية ويحافظ على سمعتها وشعبيتها لدى الرأي العام الامريكي. ولم تخاطر بحياة مواطنيها من الشباب اذا ما كان بامكانها تنصيب حكومة تعمل كوكيل محلي، وتنفذ سياستها بالنيابة، حسب المفهوم الاستعماري القديم / الجديد الذي لخصه ببلاغة رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل حين قال بانه سيقاتل، دفاعا عن مصالح بريطانيا العظمى، حتى آخر جندي هندي؟ 
ما تحاول امريكا تنفيذه، الآن، هو قتالها حتى آخر جندي ومواطن عراقي لتحقيق سياستها في استمرارية جعل العراق حلبة للمبارزة بينها وبين ايران ودول الخليج، مدركة بأن افضل الحروب، ضمن الاوضاع الامنية العالمية بتعقيداتها وديناميتها، هي التي تدار خارج الحدود الوطنية الى حين غربلة الاوضاع ورسم حدود الشرق الاوسط الجديد، مستفيدة، في سيرورة الحرب، من رخص حياة المواطن العراقي في ظل نظام يجيد الدفاع عن نفسه ومصالحه فقط. 
ان ‘الاهتمام الامريكي’ بالعراق، وهو التعبير المهذب للتدخل الامبريالي، بطيفه الواسع، بدءا من التدخل الانساني الى الهيمنة، مستمر، بدرجات متفاوتة، من السياسية الى الاقتصادية والثقافية والمجتمعية، بضمنها منظمات المجتمع المدني، والجانب العسكري. 
ما يستوجب التركيز عليه هو جانب التسليح حيث غالبا ما يستخدم السلاح، في معظم البلدان العربية، لقمع ومحاربة المواطنين. ليست هناك معلومات دقيقة عن صفقات الاسلحة التي ابرمها النظام العراقي. اذ يحيط الغموض بالصفقات ومصادرها ونوعيتها، وان طفت على السطح رائحة الفساد الكبير الذي احاط بصفقة السلاح الروسية الذي وقعها المالكي عام 2012 بقيمة ما يقارب اربعة ونصف مليار دولار تقريبا وتم ايقافها ومن ثم اعلان تنشيطها بعد ذلك. ولم يقدم ايا من المسؤولين عن تلقي العمولة في الصفقة الروسية او غيرها او توقيع صفقات اسلحة ومعدات وتجهيزات عسكرية غير صالحة للاستخدام الى المحاكمة، مما يوفر مناخا ملائما لفساد اكبر واوسع ويعطي المسؤولين الضوء الاخضر بالتمادي نتيجة انعدام المساءلة والعقاب. 
بالنسبة الى الادارة الامريكية، لم تتوقف الادارة يوما عن مد النظام بالسلاح والعتاد بانواعه، وان كانت تعلن غير ذلك، وان كانت الامدادات مرهونة، ايضا، من ناحية الكمية والنوع بمدى حسن سلوك نظام المالكي (سياسة الجزرة والعصا)، خاصة فيما يتعلق بدرجة انصياعه للنظام الايراني وحدة المناورات بين البلدين. 
تثبت ذلك الجداول التفصيلية، الطويلة، الخاصة بتسليح العراق من عام 2007 الى 2012، المذكورة في كتاب ‘التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي ـ 2013′ ، المختص بقضايا التسلُّح والإنفاق العسكري، الصادر سنويا عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (يصدر عربيا عن مركز دراسات الوحدة العربية) . وتغطي الجداول قيمة الصفقات وانواع الاسلحة وتاريخ التجهيز بها. وكان تقرير لصحيفة ‘نيويورك تايمز′ الامريكية قد ذكر بتاريخ 28 كانون الاول/ ديسمبر 2011، بأن ‘إدارة أوباما تمضي قدما في بيع ما قيمته نحو 11 مليار دولار من الأسلحة والتدريب للجيش العراقي… بما في ذلك طائرات مقاتلة متطورة ودبابات، لمساعدة الحكومة العراقية على حماية حدودها’. 
وفي كانون الاول / ديسمبر 2013، جاء في الصحيفة ‘ نقلا عن مسؤولين في إدارة أوباما، ان الولايات المتحدة تقدم المساعدات الفتاكة، بما في ذلك صواريخ هيلفاير 75 و 10 طائرات استطلاع (سكان ايجل) بدون طيار. كما تقوم أجهزة الاستخبارات الأمريكية، أيضا، بتوفير معلومات عن موقع شبكات القاعدة ومعسكرات المتشددين’. وقام المالكي، بتقديم قائمة تمنياته (كما يفعل الاطفال حين يقدمون قائمة بما يتمنون الحصول عليه الى بابا نويل) باسلحة اضافية وتدريب فرق خاصة لمكافحة ‘الارهاب’ خلال مهاتفته جو بايدن، نائب الرئيس الامريكي، يوم 16 من الشهر الحالي. 
والمعروف ان الادارة الامريكية اعلنت، في الشهر الأخير، عن تسريع تسليم نظام المالكي الطائرات بلا طيار وصواريخ هيلفاير، بعد ان اعلن المالكي بان اعتصام المتظاهرين في محافظة الانبار، غرب العراق، يجب ان يتوقف لأن لديه ‘معلومات دقيقة ومؤكدة بوجود أكثر من 30 قياديا بارزا’ من تنظيم القاعدة فيها. وقام مستشاره علي الموسوي بتكبير حلقة الادعاء قائلا بان ‘لدى القاعدة من الاسلحة الحديثة المتطورة ما يمكنها من الاستيلاء على بغداد’. ولعل مريم الريس، مستشارة المالكي للاعلام، شعرت بالغبن وعدم تسليط الضوء عليها بما فيه الكفاية في الآونة الاخيرة فدخلت على الخط، لتزايد على المالكي ومستشاريه وكل الخبراء العسكريين قائلة بان عدد افراد القاعدة في العراق هو ‘خمسمائة الف ارهابي’. واذا ما اخذنا بنظر الاعتبار بان سكان قضاء الفلوجة المحاصر والمتعرض للقصف والتهجير هو حوالي 600 ألف فهل هذا يعني، حسب تصريح السيدة المستشارة، ان جميع السكان تقريبا ارهابيون بمن فيهم الاطفال والنساء وكبار السن والمقعدون؟ ام انها تعني ان جميع رجال الفلوجة والرمادي وعموم الانبار هم من الارهابيين؟ 
عودة الى التسليح العسكري الامريكي للنظام بذريعة محاربة الارهاب، يخبرنا معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، ضمن جداوله ان الولايات المتحدة ارسلت ما يقرب من 1.3 مليار دولار من المساعدات الخارجية إلى العراق في السنة المالية 2012. والسؤال : ما الذي حل بهذه المبالغ؟ ما الذي حصلت عليه امريكا مقابل هذه المساعدة؟ واذا ما اضفنا هذا المبلغ الى صادرات النفط الهائلة بمعدل 100 مليون دولار سنويا، هل نستغرب اذا ماكان المالكي غير مصدق بانه صار بالحكم ولن يعطيه لغيره ابدا؟ والسؤال الاهم من ذلك كله : هل يظن ساسة النظام ان بامكانهم، مهما كانت الاسلحة التي يتزودون بها والاموال التي يختلسونها، البقاء في مناصبهم على الرغم من ارادة الشعب؟ واقول الشعب لأن الظلم المهيمن على العراقيين، اليوم، لايستثني الكثيرين. 

الاثنين، 20 يناير 2014

جيش يفترس أهله في عراق بلا قاعدة / هيفاء زنكنة



كشفت وزارة الدفاع العراقية، عن قيام القوة الجوية باكثر من 230 طلعة جوية ضربت فيها 30 موقعا ‘ارهابيا’ في الانبار. ولمن لا يعرف الأنبار او لمن قد يتوهم بان الطلعات الجوية هي ضد العدو الصهيوني أو المحتل الانكلو امريكي الذي سبب ما يقارب المليون ضحية، ومسح ذاكرة الشعب الثقافية ونهب البلاد وخرب البنية التحتية، أو انها لحماية حدود البلد من تدخلات الدول الاقليمية وقصفها للقرى الحدودية، اقول ان هذه الطلعات التي يشنها ‘الجيش العراقي الباسل’ بقيادة نوري المالكي ‘القائد العام للقوات المسلحة’، وبصمت أو تمثيلية انسحاب وعودة ‘مكونات’ العملية السياسية الى البرلمان، اقول ان الانبار محافظة واقعة غرب العراق ومن اهم مدنها الرمادي والفلوجة.
وللتذكير، ولئلا يكتب التاريخ وفق اجندة مشوهة، ونحن لا نزال على قيد الحياة، نعم انها ذات الفلوجة التي شن عليها الغزاة واحدة من اكبر العمليات العسكرية بتاريخ الجيش الامريكي منذ حرب فيتنام. انها المدينة التي هدم الغزاة 70 بالمئة من مبانيها للقضاء على المقاومة أو من اطلق عليهم المحتل ومستخدموه من العراقيين اسم ‘ الارهابيين’ كما فعل المحتل الفرنسي عندما وصف المقاومة الجزائرية بالارهاب، وكما يفعل المحتل الصهيوني حين يصف المقاومة الفلسطينية.
انها، أيضا، المدينة التي وصف ماجرى فيها بانها ‘لم تكن حربا بل مجزرة’ كما ذكر احد شهود العيان من جنود المارينز في كتاب نيكولاس دايفز ‘دماء تلطخ ايدينا’. ولمن يتطرق اليه الشك في همجية المحتل والساكتين على جرائمه، فليزوروا موقع ‘تي أم زد’ الالكتروني للصور، الذي نشر منذ ايام، وللمرة الاولى، صورا لمارينز وهم يصبون البترول على المدنيين في الفلوجة ويحرقونهم. وهي صور مرعبة في بشاعتها ولا انسانيتها، تعيد الى الذاكرة جروحا عن مقابر الضحايا الجماعية في المدينة والتي حفرها الغزاة لطمر جرائمهم، وهي صور ستحفر في الذاكرة وتعمق الجروح اكثر فاكثر لتطابقها مع مايفعله النظام الحالي من تكرار للعقوبة الجماعية. نعم، هذه هي الانبار التي يهاجمها الجيش ‘العظيم’ بتطبيل وتزمير يومي بحجة محاربة الارهاب والقاعدة وداعش ‘من اجل العالم كله’. الأدهى من ذلك، ان يصرح المالكي ومستشاروه، في اعقاب فشل تحقيق النصر المزعوم بالاسلحة الامريكية المتطورة، بأن ‘المعركة ضد الارهاب قد تطول وتستمر’.
ولئلا نتهم بتشويه صورة النظام، يكفينا النظر الى الاتهامات الجارحة بالفساد والارهاب والملفات المعروضة على شاشات التلفزيون، وبالبث المباشر، غالبا، بين ‘شركاء’ النظام انفسهم. وكيف يلجأ المسؤول الحكومي الى التصريحات الصحافية اذا ما حدث ولم يعثر على قناة تلفزيونية تبث اتهاماته أو ما يطلق عليه اسم حرب كشف الملفات. 
في خضم هذه الحرب والاتهامات الخطيرة المتبادلة بين اطراف العملية السياسية، بدأ المواطن يتساءل عن حقيقة الصورة التي يود النظام رسمها فيما يخص القاء المسؤولية في كل ما يجري بالبلد على القاعدة وداعش والارهابيين ولصق الصورة عنوة بمناطق معينة من البلاد. فكلنا يذكر، التصريحات وعناوين الصحف الرئيسية العراقية وما تناقلته اجهزة الاعلام العربية والغربية، في تموز/ يوليو الماضي، عن عملية ‘هدم الأسوار’، أي الهجوم على معتقلي التاجي وابو غريب واطلاق سراح نحو خمسمئة سجين من بينهم قادة كبار بالقاعدة. يومها وصف مسؤولو النظام الهجوم بأنه ‘العملية الأكبر وتشكل تهديدا كبيرا للأمن العالمي’. ولم يبق جهاز اعلامي الا وكرر القصة ذاتها حتى رسخت في الاذهان وتحولت، بدون اجراء اي تحقيق مستقل، الى واقع لا يتطرق اليه الشك. 
الا ان الحقيقة سرعان ما بدأت تتبين ملامحها نتيجة تبادل الاتهامات بين ‘شركاء’ العملية السياسية. اذ صرح وزير العدل العراقي حسن الشمري، وهو قيادي في ‘حزب الفضيلة الاسلامي’ المنضوي في ائتلاف النظام الحاكم، وهو من اشد المتحمسين لأعدام كل من يلقى القبض عليه بتهمة ‘الارهاب’، اي انه، بالتأكيد، ليس من القاعدة او داعش كما انه ليس من المؤيدين لهما. كشف الشمري، في مقابلة مع قناة ‘الرشيد’ العراقية، واعادت نشرها صحيفة المستقبل (6 كانون الثاني/ يناير 2014) تحت عنوان ‘مسؤولون هرّبوا سجناء ‘القاعدة’ لتخويف واشنطن من إسقاط الأسد’، أن رؤوساً كبيرة في بغداد سهلت تهريب عناصر وقادة في تنظيم القاعدة من السجون العراقية، بهدف إخافة الولايات المتحدة من إسقاط بشار الأسد ولمنعها من تنفيذ ضربة ضده. وسأقتبس ادناه نص ما قاله الشمري لأهميته في القاء ضوء على كيفية تقوية تنظيمات معينة او استغلال اشخاص معينين لأغراض تخدم مصلحة سياسية أو تغيير مسار موقف لا يخدم مصلحة نظام ما. وقد أسدت منظمة القاعدة، في العقد الأخير، الكثير من الخدمات الى العديد من الدول، حتى اصبح ينطبق عليها قول ‘انها لو لم تكن موجودة لخلقت’. 
أكد الشمري أن سجني أبو غريب والتاجي ليسا تحت إدارة وزارة العدل، بل بإدارة وزارة الداخلية، وبالتالي ليس له أو وزارته أية مسؤولية فيما جرى، وأن العملية تمت بمشاركة القوات الأمنية المسؤولة عن حماية إدارة أمن سجني أبو غريب والتاجي في بغداد. وقد تم تنظيم العملية بحيث انسحبت قوات حماية السجنين منهما قبل اقتحام عناصر تنظيم القاعدة للسجنين وتهريب رفاقهم السجناء. وردا على التساؤل حول السبب الكامن وراء تعاون المسؤولين لاطلاق سراح الارهابيين من القاعدة، أوضح الشمري قائلا ‘اعتقد انه كان هناك ترتيب خاص لاخراج هؤلاء القتلة، فهو كان متزامنا مع قرب صدور قرار من الكونغرس الامريكي لضرب سوريا’.
وأشار إلى أنّ ‘عملية الهروب كانت للضغط على الكونغرس لكيلا يصدر قرارا لصالح الرئيس باراك أوباما يخوله ضرب الرئيس السوري بشار الاسد على اعتبار ان دور تنظيم القاعدة قد تعاظم في سوريا، وربما يكون خليفة للاسد’. وتساءل قائلا: ‘كيف ان لواء وفوجا للشرطة يغيبان بالكامل عن السجنين في يوم الهروب؟’.
ان اكاذيب النظام المتشابكة مع التضليل الاعلامي، ضرورية لتضخيم ان لم يكن تصنيع دور منظمات ‘ارهابية’ لم يكن لها وجود قبل الاحتلال وحكوماته المتعاقبة. انه تضخيم وتجييش للمشاعر الشعبوية لتحقيق ثلاثة أهداف. أولا: تغطية جرائم النظام وانتهاكات حقوق الانسان. ثانيا: تشويه صورة المحتجين على سياسته الطائفية. ثالثا: لتمرير صفقات وفضائح فساده الذي بات يزكم انوف الدانين والقاصين. حيث اصبح الفساد، بحد ذاته، مؤسسة متجذرة في كل طبقات وجود وعمل السياسيين والاجهزة الامنية والشرطة والجيش الموسوم بالبطولة لهجومه لا على اعداء الوطن، كما هو مفترض، بل على مواطنيه. الحالة التي اشبه ما تكون بالعنكبوت المسمى ‘حائك الدانتيلا السوداء’ المعروف بالتهام كل ما يمكن التهامه لكي ينمو. حيث يشرع فريق مكون من 30 عنكبوتا صغيرا بالتغذي اولا على البيض الذي لم يفقس بعد، ثم يتناولون أول اخوانهم وأخواتهم قبل ان يتحولوا على والدتهم لألتهامها.

الاثنين، 13 يناير 2014

بحثا عن الحقيقة وراء قصف المدن وتهجير السكان بالعراق / هيفاء زنكنة



لنبدأ بتلخيص الصورة الرسمية في داخل وخارج العراق: نظام نوري المالكي، أمين حزب الدعوة ورئيس الوزراء (من بين مناصب عدة)، يستغيث بامريكا متوسلا التزود بالاسلحة المتطورة، لتخليصه من ارهاب داعش (دولة العراق الاسلامية في العراق والشام). وزير الخارجية زيباري يبلغ أمريكا، رسميا، بان العراق بحاجة اليها في مجال التحليل المخابراتي والمراقبة ووجود المستشارين (كأن اللجان الأمنية والعسكرية المشتركة غير كافية ). متحدث رسمي يطالب أمريكا بارسال فرق خاصة لمحاربة داعش. أيران تتبرع بالمساعدة لمكافحة داعش بينما تسارع روسيا الى تزويد النظام باسلحة ضمن واحدة من اكبر صفقات الفساد فضائحية، لمقاتلة داعش. 
النظام يعلنها حربا مستمرة داعيا الى تسجيل متطوعين لمحاربة داعش في ذات الوقت الذي يبلغ فيه عدد القوات المسلحة والشرطة والقوات الامنية وقوات سوات والفرقة القذرة ( الذهبية) الملحقة بمكتب المالكي مباشرة مايزيد على المليون. بالاضافة الى المليون، عجلت أمريكا بارسال صواريخ هيلفاير وطائرات استطلاع ومعدات اخرى طلبها نوري المالكي، كما تعد لتدريب جديد لقوات عراقية خاصة، في الأردن. وقال مسؤول عسكري أمريكي ان’مركزا للتدريب على العمليات الخاصة بالقرب من عمان هو أحد المواقع التي يجري دراستها’. وتبلغ ملهاة التصعيد، لمحاربة داعش، ذروتها حين يعلن وزير الدفاع الامريكي جون كيري بان داعش خطر على الامن القومي الامريكي، ويطالب المالكي بدعم العالم له لأنه يقود حربا شاملة ضد الارهاب ومن اجل انقاذ العالم كله. وأين هي داعش؟ نظام المالكي يقول انها في مدينتي الفلوجة والرمادي، بمحافظة الانبار، غرب العراق. وهي المحافظة التي احتضنت، مدة تزيد على العام، مع خمس محافظات اخرى، تظاهرات واعتصامات تميزت بسلميتها على الرغم من مهاجمتها من قبل قوات النظام، بشكل وحشي، عدة مرات وعلى الرغم من استهداف قادتها. 
اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان الهوسة الشعبية الشائعة بين المتظاهرين، في مختلف ارجاء العراق، هي ‘ كذاب نوري المالكي كذاب’، وان العالم لايزال يتذكر بوضوح أكاذيب وزير الخارجية الامريكي كولن باول، في الامم المتحدة، حول أسلحة الدمار الشامل، بالاضافة الى تلفيق توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا، كذبته المشهورة حول قدرة نظام صدام حسين على تفجير بريطانيا خلال 45 دقيقة، اذا ما تأملنا هذا وعشرات الامثلة الأخرى، كيف نتقبل مايقدم الينا جاهزا، منمقا، بجرعات يومية حول اسباب قصف وحصار أهل محافظة الانبار، غرب العراق، باعتبارهم ارهابيين؟ أليس اهل هذه المدن، ذاتها، من حارب ارهاب المحتل وأجبره على تغيير خططه في المنطقة والتي كانت تهدف الى التقدم نحو بقية ‘ مثلث الارهاب’ أي سورية وايران؟ أليس اهل هذه المدن من دفع قوات اكبر قوة عسكرية في العالم الى الجلاء بينما كانت تحالفات النظام تقيم الوليمة تلو الوليمة لقادة الاحتلال في مراكز احزابهم وبيوتهم وافراد عوائلهم ليكذبوا الآن، بلا حياء، بانهم من حرر العراق ؟ 
لنبحث في ركام التضليل الاعلامي وببغائية ‘ الحرب على الارهاب’ واعادة رسم خريطة المنطقة وفق التحالفات الاخيرة، عن الحقيقة . حقيقة من قاوم الاحتلال، حقا، وكيف اصبحت تهمة الارهاب، يطلقها نظام طائفي حتى النخاع، مقبولة كذريعة لمعاقبة اهل الانبار، جماعيا، الى حد الحصار والقصف والتهجير، المرة تلو المرة؟ 
تبين أحصاءات مركز بروكينز الإمريكي لمرحلة المقاومة العراقية المسلحة التي سبقت إعلان أمريكا الإنسحاب من العراق ( 2005- الى 2008) مايلي:
‘ أن معدل الهجمات المسلحة على القوات الإمريكية في العراق كله كان 106، في اليوم الواحد، أي بين الستين في بداية ونهاية الفترة الى 160 هجمة يوميا في 2007، قبيل إلإشارات الأمريكية عن نية الإنسحاب.
‘ كان نصيب محافظة الأنبار 19 هجوما في اليوم الواحد في المعدل، ووصل الى41 هجوما، يوميا، في أوج فترة المقاومة. ولا يزيد عليها الا بغداد التي شهدت معدل 33 هجوما في اليوم الواحد، ووصلت الى 58 هجوما يوميا في ذروتها بعد إنتقال ثقل المقاومة من الإنبار الى بغداد. 
‘ لا يعني ذلك أن المقاومة في الإنبار كانت من أهلها وحدهم. فقد كانت ملاذا للمقاومين من جميع المحافظات، لأنها تشكل ثلث مساحة العراق، وتشمل الباديتين الشمالية والجنوبية، وبالتالي فهي مفتوحة على أهم المحافظات الوسطى وعلى حدود ثلاثة بلدان عربية، وهي حدود شكلية. كما كانت تاريخيا عصية على السلطة المركزية ببغداد سواء في العهد الملكي أو الجمهوري أو نظام البعث. ويذكرنا الأمر بلجوء كوادرالتيار الثوري الغيفاري، في الحزب الشيوعي، في الستينات والسبعينات، من بغداد الى الأهوار والى كردستان، حيث إتخذوها قواعد لهم بصرف النظر عن وجود القاعدة الإجتماعية أو الحاضنة لهم. فمما لا شك فيه ان بعض عشائر الأنبار تعاونت مع الإحتلال لكنها لم تكن السائدة في المحافظة. 
‘ أن نصيب محافظة الأنبار من الهجمات المسلحة للمقاومة العراقية على قوات الإحتلال هوضعف ما جرى في جميع المحافظات الجنوبية مجتمعة، في حين أن سكانها هو ثمن سكان تلك المحافظات، و بضمنها البصرة وبابل، و هما المحافظتان الجنوبيتان الوحيدتان، تقريبا، اللتان شهدتا معارك ضد الإحتلال في فترة المقاومة المسلحة تلك. وواضح أن الإحزاب الطائفية والنفوذ الإيراني قد نجحا في إحكام السيطرة الإمريكية في المحافظات الجنوبية على خط التموين العسكري الإمريكي من الكويت الى بغداد على إمتداد مئات الكيلومترات، وأن المقاومين من المحافظات الجنوبية قد لجأوا الى بغداد والأنبار وبقية المحافظات الوسطى حيث الحاضنة الإجتماعية كانت اوسع والوضع الجغرافي ملائما أكثر، بضمن ذلك إنفتاح الحدود مع سوريا وقتها. 
لقد استخدم النظام الطائفي الجيش والقوات الخاصة، في فترة الاحتلال العسكري المباشر، كدرع لحماية قوات الاحتلال. وهاهو يستخدمه ضمن ضجة اعلامية لامثيل لها لمحاربة اهل الفلوجة والرمادي الذين كانوا، حتى اسابيع قليلة ماضية، جزءا من حركة الاحتجاج السلمية، بذريعة كونهم ارهابيين وابناء داعش والقاعدة وغيرها من المسميات التي تجدها الانظمة القمعية مفيدة لتغطية جرائمها. فالمعروف ان العراقيين لم يكونوا يعرفون القاعدة واخواتها قبل الاحتلال وتنصيب حكومة طائفية بالوكالة، كما ان الشعب السوري لم يكن يعرف القاعدة وعشرات المنظمات ‘ المعارضة والجهادية السلفية والوهابية والارهابية’ قبل ان يقرر نظام الاسد ان تعذيب وقتل الاطفال وقصف واستهداف التظاهرات التي استمرت مدة تزيد عن الستة اشهر باكثر الاساليب تحضرا وسلمية، هو الاسلوب المثالي لمعاملة الشعب.
وها هي من جديد تتصاعد نداءات الاستغاثة الانسانية من داخل العراق. افادت دائرة صحة الانبار عن سقوط 357 ضحية بين قتيل وجريح حتى صباح يوم السبت وان بعض العوائل دفنت قتلاها في الحدائق المنزلية. آلاف العوائل المذعورة من الاقتتال والقصف والاعتقالات بالاضافة الى الحصار كعقوبة جماعية تعيش من جديد جحيم مغادرة بيوتها ومحيطها لتتعرض الى كل ما يتعرض له النازح من ضنك العيش وقلة الخدمات الصحية والاستغلال وتوقف تعليم الاطفال. 
في وجبات مختلفة سرت على معظم المدن العراقية ذاق الاطفال والكبار مرارة الهجرة والنزوح الداخلي، وهو نسخة لما يحدث للسوريين. وهي الحالة التي اعتبرت في حينها نسخة لما مر به العراقيون منذ الغزو الوحشي. دائرة الخراب البشري والعمراني تتسع وتكبر، في حملة لامثيل لها، لقمع الانتفاضات والاصوات المحتجة المطالبة بابسط حقوق الانسان : حق الحياة بكرامة . لقد نجح النظام في تحويل المذهب الديني الى هوية طائفية تطغى على الهوية الوطنية ولتبرير مقاييس سلوكية عامة مقبولة، بضمنها العنف المشرعن، وساعده شركاؤه في العملية السياسية الى خلق هوية طائفية مقابلة، متعامين جميعا بانه حين لا يبقى في الوجه الانساني خد يتلقى المزيد من الصفعات، من المهمشين من ابناء الشعب، للدلالة على الصبر والتسامح، لا يبقى للعقل كابح يردعه. حينئذ يسود الجنون ليصبح لغة التعامل اليومي بين ابناء الام الواحدة. حينئذ، لنقرأ على البلاد وشعبها الفاتحة. 




الاثنين، 18 نوفمبر 2013

العراق: أي حزن يثير المطر؟ / هيفاء زنكنة



مطر.. مطر.. أي حزن يثير المطر. هكذا حفر الشاعر بدر شاكر السياب في ذاكرتنا الجماعية أملنا في ان يعشب المطر. ‘وان نترقب هطول المطر’ ومنذ أن كنا صغارا، كانت السماء تغيم في الشتاء، ويهطل المطر’. ولنتمتع، حينئذ، مصغين الى كيف ‘كركر الأطفال في عرائش الكروم، ودغدغت صمت العصافير على الشجر، أنشودة المطر’.
اليوم، صار المطر، هو الخراب، هو الفساد، هو الغرق . مطر اغرق بغداد وحولها الى مجاري فائضة تختلط فيها القاذورات بالنتانة ويتخلل الهواء ما يعد الجميع بالامراض . هل رأيتم كيف صار العراق يبعث النشيج و في العراق ألف أفعى تشرب الرحيق’ ؟ 
الاطفال والكبار محاصرون ببيوتهم جراء المطر . من يروم الوصول الى عمله او مدرسته يستنبط طرق سكان العراق القديم وتجاوزها حديثا. يقول الناس: هذا ما عناه ذلك الامريكي باعادة العراق الى القرون الوسطى. 
طلاب كلية التكنولوجيا يسيرون على شريط بعرض سنتمرات مستندين على الجدران للوصول الى كلياتهم وقاعات المحاضرات. الساحات فائضة بخلطة من سوائل وترسبات لن تجف سريعا في المطر، بل لتنثر امراضا تضيف الى اليورانيوم والفوسفور الأمريكيين تشوهات سماوية. وساسة العراق الجديد ؟ يتراشقون بتهم الارهاب والارهابيين. يقفون على منصاتهم العلمانية والطائفية على حد سواء. لافرق بين خطباء البرلمان والجوامع والحسينيات، اناثهم وذكورهم في ‘العراق الجديد’، حين يتشاتمون على شاشات التلفاز، ويمثلون ويتظاهرون بالامانة والشفافية والمصداقية والتلويح بملفات الفساد والارهاب.
وبينما تسبب فيضانات بغداد أضرارا جسيمة على كل المستويات، بضمنها تعطيل الحياة غرق اطفال، وانهيار صف دراسي في مدرسة ابتدائية، وبيت على رؤوس ساكنيه مما اسفر عن مصرع طفلة وإصابة ثلاثة من ذويها بجروح، ، يقول لنا نوري المالكي ‘انه لا توجد فيضانات كبيرة’، وانه أمر بانشاء ‘غرفة عمليات لتدارك الأمطار’، وأيده ممثل المرجعية الدينية العليا الشيخ عبد المهدي الكربلائي، داعيا الى تشكيل ‘خلية للامطار’. بينما تعهدت امانة بغداد، بتصريف مياه الأمطار المقبلة إذا سقطت ‘بكميات طبيعية’، محاولة القاء اللوم على المواطن لأن تجاوزاته أدت الى احداث الفيضانات. امانة بغداد ترى تراكم النفايات في الشوارع وإنتهاؤها في المجاري سببه المواطن لا مسؤولية من عليه تنظيف الشوارع. وأكدت أمانة بغداد في (12 تشرين الثاني 2013) أن مشروع (لاحظوا كلمة مشروع) خط الخنساء للصرف الصحي، في حال انجازه سيحل مشكلة الفيضانات في العاصمة، عازية تلكؤ المشروع إلى ‘تجاوزات المواطنين’ على الخط ! وكادت أمانة بغداد ان تلوم المواطن المسكين على هطول الامطار لولا بقاء قطرة من الحياء.
غرق بغداد مرة أخرى نتيجة المطر، وهو ما كان عندنا في الغالب بشير خير بإمتلاء الانهار التي جفت، وغسيل الأملاح من الأرض السبخة، وترسيب غبار الصحارى، أصبح كارثة تبكي، ولا مجال للسخرية فيها. إنه نذير آخر من نذر الشر يضاف الى ما تراكم من شرور. فما لم تشر اليه امانة بغداد ونوري المالكي وغيره من سحرة ‘العراق الجديد’ هو انغمارهم بالفساد حتى النخاع ولجوئهم الى كل الاساليب لتغطية الفساد وجرائمه بدءا من اثارة النعرات الطائفية والمشاعرالغريزية البدائية الى التخفي وراء صناعة الارهاب، وترويع الناس بتوجيه التهم الكيدية والاعتقالات والتعذيب.
فهاهو رئيس الوزراء يمر مرورا عابرا على غرق العاصمة وتعطل الحياة مكتفيا بالاعلان عن تشكيل غرفة عمليات عن هطول الامطار بينما يكرس جل وقته وخطابه لمداعبة غرائز شعبوية تعود الى ما يزيد على الالف عام، منتقيا من التعابير الطائفية ما يخدم مصلحته ويقوي ركن بقائه مهيمنا على السلطة.
اذ من يتجرأ على الطعن بقائد ‘صولة الفرسان’ ازاء ‘الإرهابيون اليزيديون الجدد’، الواقف معزيا ‘كل المسلمين في العالم والشعب العراقي خاصة بمصاب الحسين وأهل بيته وأصحابه في واقعة الطف التي كانت قد فصلت بين خط الرسالة المحمدية وخط الانحراف والجريمة’؟ 
فما هو تعريف خط الانحراف والجريمة في سياسة الخلط ما بين الميثولوجيا الدينية وتثوير المشاعر وفق احداث انتقائية؟ هناك 800 مليون دولار، تهرب اسبوعيا من العراق، بينما يعيش ثلث السكان تحت خط الفقر، فهل هذا هو الخط؟ الفساد الاداري والمالي صار مؤسسة رسمية من مؤسسات الحكومة، من عاليها الى ادناها، ليعيق التطور والتنمية ويشل حياة الناس اليومية، فهل هذا هو الخط؟
تذكروا: نحن نتحدث عن العراق وليس عن بلد فقير بلا موارد او ثروات طبيعية يصاب بكارثة وينتظر الاحسان والمساعدة من دول اخرى. انه واحد من اغنى دول العالم . انه بميزانية هي الاكبر بين دول الجوار. 
واذا ما اردنا الاشارة الى الفيضان فقط، تاركين بقية المصائب جانبا، ونظرنا الى مشروع خط الخنساء لمعالجة مياه المجاري الذي أعلنت عنه أمانة بغداد في 2008، بكلفة 105 مليار دينار وبسقف زمني مدته 3 سنوات، لوجدنا انه لم ينفذ. لماذا؟ السبب بسيط جدا. اختفت الاموال خلال تبادلها ما بين المسؤولين والمتعاقدين. والتبرير الذي يطرحه المسؤولون بسيط جدا، ايضا : القاء اللوم على ‘تجاوزات بعض الأهالي’. مما يعني ان الحكومة ذات المليون جندي، ورجل امن، وشرطي، وقوات رئيس الوزراء الخاصة، عاجزة عن ايجاد حل ‘لتجاوزات بعض الاهالي’ وايجاد طريقة لتنفيذ مشروع ينقذ اهل بغداد من وباء المجاري الفائضة، بينما نجدها قادرة على تنفيذ حملات المداهمة والاعتقال الكيدي والتعذيب والاعدام. فمتى ستشبع الغربان و الجراد من الفساد؟ أحين يعشب العراق بالمطر اذ ان ‘كل دمعة من الجياع و العراة … هي ابتسام في انتظار مبسم جديد’! 

* كاتبة من العراق