الأحد، 11 مايو 2014

حول فكرة الدولة




ناظم مهنا

بداية، ما سأعرضه هنا عن الدولة، هو مجرد أفكار انتقائية عامة، وليس فذلكة في البعد القانوني والسياسي، وهو للتذكير ولملامسة علاقتنا بالدولة وحاجتنا الوجودية لها كأفراد وجماعات.  
يرى جوزيف شتراير أن الإنسان قد يستطيع أن يعيش من دون عائلة، ومن دون مسكن ثابت، ومن دون انتماء ديني، لكنه من دون دولة ليس شيئاً، وليس له أي حقوق وأي أمن، صحيح لم تكن الدولة موجودة دائماً، إلا أن شكلاً من أشكال الدولة المركزية قد عرفته منطقتنا قبل أماكن أخرى من العالم، ثم ما لبثت الدولة القديمة أن اندحرت بفعل عوامل عديدة، منها ماهو ذاتي ومنها ما هو موضوعي، وفي العصور الحديثة تطور مفهوم الدولة وتكونت كضرورة اجتماعية، وتعمقت فلسفتها، وبات عند الناس في كل أنحاء العالم قناعة بأن الأقوام الأكثر تخلفاً والأكثر بدائية تستطيع وحدها الاستغناء عن الدولة. وبما أن الدولة ترتكز على مؤسسات دائمة، فلا بد أن تقوم هذه المؤسسات على أرض ثابتة، وحسب شتراير أيضاً: «من الصعب إقامة مثل هذه المؤسسات إذا كانت الأرض التي تقوم عليها تتغير باستمرار، وإذا كان تلاحم الجماعة، التي تتكون منها الدولة، يتغير تبعاً لفصول السنة». إذاً لابد من الديمومة في المكان والزمان، وبعد ذلك لا بد من توافر المكانة، وسلطة اتخاذ القرار الذي يجب أن ينفذ، ولا بد من الولاء والرضا من الانتماء لهذه المؤسسة التي توحدني مع الآخرين، كما أن النزعة القومية تعزز هذا الولاء. وعليَّ أن أعطي الأولوية لمصلحة الدولة ولو تعاكس هذا مع مصالحي الخاصة، ويرى أحدهم في الولاء للدولة نزعة إنسانية، والدولة عليها أن تضمن لمواطنيها السلام والأمن والرفاه، إذا أمكن.
يعرّف أحدهم الدولة بأنها جماعة تبنيها وتديرها القوانين، وأن الفكرة الرئيسة في السياسة هي أن طبيعة الدولة تحددها قوانينها الأساسية ودستورها، فيعيش الناس في ظل ملكية أو جمهورية أو استبدادية. ويذهب برنار غروتويزن إلى أن إنشاء الدولة يعد فناً «إنه الفن الاجتماعي» وموهبة البناء، وإعطاء جماعة ما دستوراً متجانساً، ويكتب السياسي الفرنسي في عصر الثورة الفرنسية «ستيس» بافتتان عن هذا الطابع الفني للتكوين الاجتماعي، وكيف أن جمهوراً من ملايين البشر يجتمعون وينتظمون وفق قوانين، ويؤلفون بعلاقاتهم كلاً يخضع لقوانين البناء الاجتماعي العقلي الذي هو الدولة.
وبالفعل إنها صورة مشرقة للعقل الاجتماعي، ومن البدهي أن للفرد حقوقاً أساسية يجب أن تراعى، والفرد طرف محوري من أطراف الحق وهو شريك في تكوين الدولة، وللمجتمع حق اتخاذ القرارات بشأن الفرد، بموجب عقد اجتماعي يتم فيه نقل جميع حقوق الفرد إلى المجتمع، وتعمل الدولة على تطبيقه وحمايته، ومنذ أن ينضم الفرد إلى مجتمع ما، تبدأ بالنسبة له حياة جديدة، فينتهي انطواؤه على نفسه، ويغدو بكليته ملكاً للمجتمع، وحياته جزءاً من حياة الجماعة. في كنف الدولة التي نبضها القانون، يشعر الفكر بعلو منزلته، وتزدهر الفنون والعلوم. وحقيقة الأمر أن الدولة بناء عقلاني، وكيان واقعي وعميق. ويرى فيلسوف الدولة هيجل أن الدولة واجبة التحقق، والحياة السياسية هي حياة الدولة، وأن الفرد يبلغ كماله في الدولة. التفكير الفوضوي والغوغائي، مهما تقنّع بقناع العمق، ودعوات الحرية الفردية المطلقة، هو فكر سلبي، وأحياناً تخريبي، لا يحترم القانون الذي يُجمع الناس عليه، ويسفّه المؤسسات! هذا النوع من التفكير البدائي لا يمت إلى المدنية بصلة، ومن حق المجتمع أن يعزله، ويحد من مخاطره. وأرى اليوم، فيما يخصنا كعرب، أن من واجب كل واحد منا، أن يفكر بروية في معنى الدولة، ويتأمل بعمق بمعنى فكرتها، وبما يجب أن يكون عليه حالها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق